اتِّقَاءُ طَرِيقٍ وَظِلٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ النَّاسُ وَيَتَّخِذُونَهُ مَقِيلًا وَمُنَاخًا عِيَاضٌ وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَحْرُمُ الْقُعُودُ عَنْهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَقَدْ قَضَاهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَحْتَ حَائِشٍ أَيْ نَخْلٍ مُلْتَفٍّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَهُ ظِلًّا وَمِنْ الْآدَابِ تَجَنُّبُ بِيَعِ الْيَهُودِ وَكَنَائِسِ النَّصَارَى خَوْفَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِمَسَاجِدِنَا وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي مَخَازِنِ الْغَلَّةِ وَفِي الْأَوَانِي النَّفِيسَةِ وَيَحْرُمُ فِي النَّقْدَيْنِ وَمِنْ الْآدَابِ اتِّقَاءُ الْمَوْضِعِ الصُّلْبِ النَّجِسِ ، وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَيَتَعَيَّنُ الْجُلُوسُ فِيهِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ لَهُ وَالصُّلْبُ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَوْ فَتْحِهَا مُشَدَّدَةً وَبِفَتْحِهِمَا الْمَوْضِعُ الشَّدِيدُ .
( ص ) وَبِكَنِيفٍ نُحِّيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا عَكْسُ مَسْجِدٍ وَالْمَنْزِلُ يُمْنَاهُ بِهِمَا ( ش ) يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ يُنَحِّيَ أَيْ يُبْعِدَ ذِكْرَ اللَّهِ الْكَائِنَ مَعَهُ بِوَرَقَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ خَاتَمٍ إنْ أَمْكَنَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَسْتُورًا وَقَيَّدَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ الْمَسْتُورِ وَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَحَرَزَ بِسَاتِرِ مَا يُوَافِقُهُ وَمِنْ الْآدَابِ تَقْدِيمُ يُسْرَاهُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِلْكَنِيفِ وَيُمْنَاهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ تَكْرِيمًا لَهَا
شرح
قَوْلُهُ : اتِّقَاءُ طَرِيقٍ ) هُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَوْرِدَ طَرِيقُ النَّهْرِ وَطَرِيقُ الْعَيْنِ وَطَرِيقُ الْبِئْرِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَائِطُ أَشَدَّ مِنْ الْبَوْلِ وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت هَذَا فَنَقُولُ : إنَّ قَوْلَ عِيَاضٍ يُنَافِي قَوْلَ الشَّارِحِ وَمِنْ الْآدَابِ إلَخْ وَيُنَافِي قَوْلَ النَّوَادِرِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَغَوَّطَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ .
قَالَ عج وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَيْهِ إذْ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ لَا يُلْعَنُ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ » وَالْبِرَازُ اسْتَصْوَبَ النَّوَوِيُّ كَسْرَ مُوَحَّدَتِهِ الْغَائِطُ وَالْمَلَاعِنُ عَنْ جَمْعِ مَلْعَنَةٍ وَهِيَ الْفَعْلَةُ الَّتِي يُلْعَنُ فَاعِلُهَا كَأَنَّهَا مَظِنَّةُ اللَّعْنِ وَمَحَلٌّ لَهُ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَكَانِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إلَيْهَا فَيَجِدُونَ الْعَذِرَةَ فَيَلْعَنُونَ فَاعِلَهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عُمُومُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَفِي الْحَدِيثِ تَخْصِيصُهُ بِالْغَائِطِ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ وَمِثْلُ الظِّلِّ الشَّمْسُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ أَيْ وَنَحْوُهَا كَالْقَمَرِ ( قَوْلُهُ : أَيْ نَخْلٍ مُلْتَفٍّ ) قَالَ الْحَطَّابُ كَأَنَّهُ لِالْتِفَافِهِ يَحُوشُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ ( قَوْلُهُ : خَوْفَ فِعْلِهِمْ بِمَسْجِدِنَا ) أَيْ لِاحْتِمَالِ ، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَيَجِبُ التَّرْكُ ( قَوْلُهُ : وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي مَخَازِنِ الْغَلَّةِ ) أَيْ الَّتِي فِيهَا الْغَلَّةُ بِالْفِعْلِ أَوْ بِصَدَدِ الْوَضْعِ فِيهَا وَقَوْلُهُ : وَالْأَوَانِي النَّفِيسَةِ أَيْ كَالصِّينِيِّ ، وَقَوْلُهُ : يَحْرُمُ فِي النَّقْدَيْنِ إمَّا لِإِهَانَةِ مَا أَعَزَّهُ اللَّهُ أَوْ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُمَا وَهُوَ حَرَامٌ وَهَذَا أَظْهَرُ ( قَوْلُهُ اتِّقَاءُ الْمَوْضِعِ الصُّلْبِ النَّجِسِ ) أَيْ جُلُوسًا وَقِيَامًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ إنْ كَانَ صُلْبًا نَجِسًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَقْصِدَ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَامَ خَافَ أَنْ يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ جَلَسَ خَافَ أَنْ يَتَلَطَّخَ بِنَجَاسَةِ الْمَوْضِعِ اه - . ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ صُلْبًا نَجِسًا لَا يَخْشَى التَّلَطُّخَ بِنَجَاسَةِ الْمَوْضِعِ إنَّمَا يَخْشَى مِنْ رَشَاشِ الْبَوْلِ ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَيَتَعَيَّنُ الْجُلُوسُ فِيهِ ) أَيْ يُنْدَبُ نَدْبًا أَكِيدًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَأْمَنُ مِنْ التَّلَطُّخِ بِالنَّجَاسَةِ إنْ جَلَسَ وَلَا يَأْمَنُ إنْ قَامَ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ .
( قَوْلُهُ : بِضَمِّ الصَّادِ ) مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فَتْحُ الصَّادِ وَسُكُونُ اللَّامِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ الصِّحَاحُ وَالْقَامُوسُ وَلَكِنَّ الْمَحْفُوظَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فَتْحُ الصَّادِ وَسُكُونُ اللَّامِ وَبَيَّنَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ الصُّلْبَ الْمَوْضِعُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ .
( قَوْلُهُ : وَبِكَنِيفٍ إلَخْ ) حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى وَرِقَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ خَاتَمٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ وَسَكَتَ عَنْ نَفْسِ الذِّكْرِ قِرَاءَةً وَالْقُرْآنُ كَتْبًا وَقِرَاءَةً بَعْضًا وَكُلًّا ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ تَنْحِيَةُ الْقُرْآنِ وَيُنْدَبُ تَنْحِيَةُ غَيْرِهِ مِنْ الذِّكْرِ نُطْقًا بِأَنْ يَسْكُتَ لِحُرْمَةِ نُطْقِهِ فِيهِ بِقُرْآنٍ وَكَرَاهَتِهِ بِذِكْرٍ وَكَتْبًا وُجُوبًا فَيَجِبُ تَنْحِيَةُ كَامِلِ مُصْحَفٍ وَلَوْ مَسْتُورًا كَانَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْكَتْبِ حَالَ نُزُولِ خَبَثٍ وَاسْتِبْرَاءٍ وَبَعْدَهُمَا وَقَبْلَهُمَا وَمِنْ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا مَا إذَا أَحْدَثَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ مُعَدًّا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَمَّا تَمَّ حَاجَتَهُ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ وَهَذَا مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ مِنْ ارْتِيَاعٍ أَوْ خَوْفِ ضَيَاعٍ فَيَجُوزُ وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِي مَحَلِّ الْخَلَاءِ بِشَيْءٍ فِيهِ قُرْآنٌ أَوْ ذِكْرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ مَا لَمْ تَدْعُ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ غَيْرَ مَسْتُورٍ خِلَافًا لعب وَيَجُوزُ التَّحَرُّزُ بِبَعْضِ قُرْآنٍ مَسْتُورًا لَا بِجَمِيعِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَفِي شَرْحِ شب وَانْظُرْ لَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ كَامِلًا حِرْزًا هَلْ يَجُوزُ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ بِالسَّاتِرِ أَمْ لَا وَرَجَّحَ الْحَطَّابُ الْكَرَاهَةَ بِاسْتِنْجَاءٍ بِيَدٍ فِيهَا خَاتَمٌ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ الْجَوَازِ وَأُنْكِرَ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ ( فَإِنْ قُلْت ) سَيَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمَكْتُوبِ وَهُوَ يُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِحُرْمَةِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْخَاتَمِ الْمَكْتُوبِ .
( قُلْت ) : يُفَرَّقُ بِأَنَّ الِامْتِهَانَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَشَدُّ مِنْ الِامْتِهَانِ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الدُّخُولَ بِبَعْضِ قُرْآنٍ لَيْسَ كَالدُّخُولِ بِكُلِّهِ الظَّاهِرُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ صَحِيفَةٍ فِيهَا آيَاتٌ لَا مِثْلِ جَزْءٍ ، فَإِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ كُلِّهِ فِيمَا يَظْهَرُ .
( تَنْبِيهٌ ) : نَقَلَ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الذِّكْرَ فِي حَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْجِمَاعِ لَا يُكْرَهُ بِالْقَلْبِ بِالْإِجْمَاعِ ( قَوْلُهُ : وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ ) وَبَدَلِهَا فِي حَقِّ الْأَقْطَعِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَيَلْحَقُ بِهَا الْعَصَا عِنْدَ قَطْعِهَا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى يُوَرِّثُ الْفَقْرَ وَقَوْلُهُ دُخُولًا وَخُرُوجًا مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ يُقَدِّمُ دُخُولَ يُسْرَاهُ وَإِمَّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ فِي الدُّخُولِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ وَإِمَّا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ لِمُقَدَّرٍ أَيْ خَارَجَ خُرُوجًا وَدَاخَلَ دُخُولًا أَوْ عَلَى الْحَالِيَّةِ مُؤَوَّلَيْنِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ دَاخِلًا وَخَارِجًا وَإِعْرَابُهُ تَمْيِيزًا فَاسِدًا ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ لَيْسَ مَنْسُوبًا لِلْيُسْرَى وَالْيُمْنَى ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ لِلشَّخْصِ ( قَوْلُهُ : عَكْسَ مَسْجِدٍ ) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ عَكْسَ فِعْلِ مَسْجِدٍ أَوْ مَرْفُوعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ عَكْسُ فِعْلِ مَسْجِدٍ وَالْمَنْزِلُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي أَيْ وَالْمَنْزِلُ يُقَدِّمُ لَهُ يُمْنَاهُ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ( قَوْلُهُ : مَا يُوَافِقُهُ ) أَيْ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْقُرْطُبِيِّ ( قَوْلُهُ : عِنْدَ الدُّخُولِ لِلْكَنِيفِ ) قَالَ الْحَطَّابُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا الْأَدَبَ خَاصٌّ بِالْكَنِيفِ