سُلُوكَ طَرِيقَةِ مَنْ عَدَّهَا سَبْعَةً بَدَأَ بِالْأَعْضَاءِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا النَّاصِّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُرَتِّبًا لَهَا عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَةِ بَادِئًا بِالْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ بِقَوْلِهِ ( ص ) غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ ( ش ) وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَجْهِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ حَدِّهِ طُولًا وَعَرْضًا وَالْغَسْلُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ مَعَ إمْرَارِ الْيَدِ بِالْمَاءِ مُصَاحِبًا أَوْ مُتَابِعًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ الْأُذُنَانِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ لِاحْتِمَالِ دُخُولِ الْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ وَقَوْلُهُ غَسْلُ خَبَرُ فَرَائِضُ وَيُعْتَبَرُ الْعَطْفُ سَابِقًا عَلَى الْإِخْبَارِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْإِخْبَارُ بِالْمُفْرَدِ عَنْ الْجَمْعِ وَغَسْلُ مَا مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ حُذِفَ فَاعِلُهُ أَيْ غَسْلُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ أَوْ الْمُتَوَضِّئِ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَلَا يُقَدَّرُ الْمُكَلَّفُ لِأَنَّهُ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى وُضُوءِ الصَّبِيِّ .
ثُمَّ ذَكَرَ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا فَقَالَ عَاطِفًا عَلَى الْأُذُنَيْنِ ( وَ ) غَسْلُ مَا بَيْنَ ( مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ ) إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِي نِقْيِ الْخَدِّ وَإِلَى مُنْتَهَى اللِّحْيَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ وَهُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ ( وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ ) وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَيْ وَوَجَبَ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ غَسْلِ الذَّقَنِ فِي حَقِّ مَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ وَغَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا فِيمَنْ لَهُ لِحْيَةٌ وَهِيَ مَا يَنْبُتُ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّحَى بِفَتْحِ اللَّامِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ وَالْمُرَادُ بِغَسْلِ ظَاهِرِهَا إمْرَارُ الْيَدِ عَلَيْهَا مَعَ الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا حُرِّكَ يَحْصُلُ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ ظَاهِرِهِ وَهَذَا التَّحْرِيكُ خِلَافُ التَّخْلِيلِ الْآتِي إذْ هُوَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ( ص ) فَيَغْسِلُ الْوَتَرَةَ وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ ( ش ) الْوَتَرَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَهِيَ الْحَاجِزُ بَيْنَ ثُقْبَتَيْ الْأَنْفِ وَالْأَسَارِيرُ جَمْعُ أَسِرَّةٍ وَهِيَ خُطُوطُ الْجَبْهَةِ وَالْكَفُّ الْوَاحِدُ سِرَرٌ بِوَزْنِ عِنَبٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَغْسِلَ الْوَتَرَةَ
شرح
لَمَا صَحَّتْ النِّيَّةُ مَعَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ صَادَفَتْ الْجَسَدَ غَيْرَ طَاهِرٍ مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِصِحَّةِ النِّيَّةِ مَعَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ .
( قَوْلُهُ : الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا ) أَيْ عَلَى فِعْلِهَا غَسْلًا وَمَسْحًا أَيْ عَلَى الْفِعْلِ فِيهَا الشَّامِلِ لَهُ ( قَوْلُهُ : إفَاضَةُ الْمَاءِ ) أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْإِفَاضَةِ كَغَمْسِ الْعُضْوِ فِي الْمَاءِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَغْمُوسًا ثُمَّ أَرَادَ الْوُضُوءَ ( قَوْلُهُ : عَلَى الْمَشْهُورِ ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ تَابِعًا ( قَوْلُهُ الْأُذُنَانِ ) أَيْ فَلَا يُغْسَلَانِ قَطْعًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الصُّدْغَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ فَمَا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ مِنْهُ مِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحُ مَعَهَا وَمِنْ الْعَظْمِ النَّاتِئِ إلَى أَسْفَلَ يُغْسَلُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الصُّدْغِ مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ مِنْ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَمَا دُونَهُ وَبَعْضَهُ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا فَوْقَهُ وَالْجَمِيعُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ الصُّدْغِ لِأَنَّهُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ إلَّا أَنَّك بَعْدَ أَنْ عَلِمْت ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِلصُّدْغَيْنِ إذْ هُمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ فَيَكُونَانِ مِنْ الْمَغْسُولِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ الْمَمْسُوحِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ مَا بَيْنَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ وَبِأَنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ فِي تَحْدِيدِ الْوَجْهِ ، وَأَمَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ يَجِبُ غَسْلُهُ تَارَةً وَمَسْحُهُ أُخْرَى فَشَيْءٌ آخَرُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بَيْنَ شَعْرَيْ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ قَطْعًا وَشَعْرِ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَطْعًا وَمَا فَوْقَ الْوَتَدِ مِنْ الْبَيَاضِ كَذَلِكَ وَمِنْ الْوَتَدِ فَمَا تَحْتُ مِنْ الْوَجْهِ فَيُغْسَلُ وَدَخَلَ فِي الْوَجْهِ الْجَبِينَانِ وَهُمَا الْمُحِيطَانِ بِالْجَبْهَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا ( قَوْلُهُ : لِاحْتِمَالِ دُخُولِ الْمَبْدَأِ ) الِاحْتِمَالُ إنَّمَا هُوَ فِي الْغَايَةِ ، وَأَمَّا الْمَبْدَأُ فَهُوَ دَاخِلٌ قَطْعًا .
( قَوْلُهُ : أَوْ الْمُتَوَضِّئِ ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مُرِيدِ الصَّلَاةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ مُرِيدِ الْوُضُوءِ .
( قَوْلُهُ : إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ إلَخْ ) مَقْصُودُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : وَمَنَابِتِ عَطْفٌ عَلَى الْأُذُنَيْنِ ، وَالذَّقَنِ عَطْفٌ عَلَى مَنَابِتِ وَالتَّقْدِيرُ غَسْلُ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ الذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مُنْتَهَى الذَّقَنِ وَمُنْتَهَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ فَإِذَنْ يَدْخُلُ الذَّقَنُ وَظَاهِرُ اللِّحْيَةِ فَيُغْسَلَانِ وَالْمُنَاسِبُ لِتَقْدِيرِ مَا بَيْنَ إلَخْ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِقَوْلِهِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ وَإِلَى مُنْتَهَى اللِّحْيَةِ إلَخْ بَلْ يَقُولُ : إنَّ التَّقْدِيرَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَمُنْتَهَى الذَّقَنِ ، وَأَمَّا غَسْلُ مَنَابِتِ الشَّعْرِ فَهُوَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَأَرَادَ بِمُنْتَهَى الِانْتِهَاءِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِانْتِهَاءَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ غَايَةً وَإِنْ جَعَلْت الِانْتِهَاءَ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ لَزِمَ عَلَيْهِ خُرُوجُ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِالِانْتِهَاءِ هُنَا مَا لَاصَقَ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنْ الْفَرَاغِ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَصَفَ الشَّعْرَ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَادِ لِيَدْخُلَ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ مَوْضِعُ شَعْرِ الْأَغَمِّ وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ فِي الْوَجْهِ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُعْتَادِ كَالْجَبْهَةِ يُقَالُ رَجُلٌ أَغَمُّ وَامْرَأَةٌ غَمَّاءُ وَالْعَرَبُ تَذُمُّ بِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَيَخْرُجُ مَوْضِعُ الصَّلَعِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ خُلُوُّ النَّاصِيَةِ وَهِيَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ وَمَوْضِعُ النَّزَعِ وَهُوَ خُلُوُّ جَانِبِ الْجَبِينَيْنِ مِنْهُ وَيُقَالُ لَهُ الْجَلَحُ فَالنَّزَعَتَانِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْعَيْنِ تَثْنِيَةُ نَزَعَةٍ بِفَتْحِهِمَا وَهُمَا بَيَاضَانِ عَلَى جَنْبَيْ الْجَبِينَيْنِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ ذَاهِبَتَانِ عَلَى جَنْبَيْ الْيَافُوخِ وَمَا بَيْنَهُمَا إلَى الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ .
( قَوْلُهُ : وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ ) ، وَأَمَّا بَاطِنُهَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَهُوَ مَا حَاذَى الصَّدْرَ مِنْ أَسْفَلِ اللِّحْيَةِ وَمَا كَانَ مِنْ أَسْفَلِهَا إلَى جِهَةِ الْقَفَا وَقَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ رَأَيْت شَيْخَ الْمَالِكِيَّةِ نُورَ الدِّينِ السَّنْهُورِيَّ يَغْسِلُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ فَلَا أَدْرِي لِوَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ ) أَيْ عَظْمُ الْحَنَكِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ وَهُوَ مِنْ الْإِنْسَانِ حَيْثُ يَنْبُتُ الشَّعْرُ وَهُوَ أَعْلَى وَأَسْفَلُ أَيْ الْفَكُّ أَعْلَى وَأَسْفَلُ أَوْ الْحَنَكُ أَعْلَى وَأَسْفَلُ وَإِضَافَةُ فَكٍّ لِلْبَيَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ فَكًّا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مَفْكُوكٌ مِنْ صَاحِبِهِ وَحُرِّرَ ( قَوْلُهُ : وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ ) الْمُرَادُ بِالْجَبْهَةِ هُنَا مَا ارْتَفَعَ عَنْ الْحَاجِبَيْنِ إلَى مَبْدَأِ الرَّأْسِ فَيَشْمَلُ الْجَبِينَيْنِ لَا الْجَبْهَةَ الْآتِيَةَ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ وَالْمُرَادُ بِظَاهِرِ الشَّفَتَيْنِ مَا يَبْدُو مِنْهُمَا عِنْدَ انْطِبَاقِهِمَا انْطِبَاقًا طَبِيعِيًّا ( قَوْلُهُ : الْوَاحِدُ سِرَرٌ ) أَيْ فَأَسَارِيرُ