أيها الناس ! = وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم كانوا عَدَدَ الناس ، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا : " يا رسول الله ، إنا برآء من ذِمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا ، ( 6 ) نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا " ، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، ( 7 ) وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم = قال : فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ : لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ! قال : فقد آمنا بك وصدَّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضته لخُضناه معك ، ( 8 ) ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا ، ( 9 ) إنا لصُبُرٌ عند الحرب ، صُدُقٌ عند اللقاء ، ( 10 ) لعلّ الله أن يريك منا ما تَقرُّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله ! فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ، ونشطه ذلك ، ثم قال : سيروا على بركة الله وأبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، ( 11 ) والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدًا " . ( 12 )
هامش
( 6 ) " الذمام " و " الذمة " ، العهد والكفالة والحرمة .
( 7 ) في المطبوعة " خاف أن لا تكون الأنصار " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري . و " يتخوف " ساقطة من المخطوطة .
و " دهمه " ( بفتح الهاء وكسرها ) : إذا فاجأه على غير استعداد .
( 8 ) " استعرض البحر ، أو الخطر " : أقبل عليه لا يبالي خطره . وهذا تفسير للكلمة ، استخرجته ، لا تجده في المعاجم .
( 9 ) في المطبوعة : " أن يلقانا عدونا غدًا " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وهذا هو الموافق لما في سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري .
( 10 ) " صدق " ( بضمتين ) جمع " صدوق " ، مجازه : أن يصدق في قتاله أو عمله ، أي يجد فيه جدًا ، كالصدق في القول الذي لا يخالطه كذب ، أي ضعف .
( 11 ) قوله في آخر الجملة الآتية " غدًا " ، ليست في سيرة ابن هشام ولا في التاريخ ، ولكنها ثابتة في المخطوطة .
( 12 ) الأثر : 15720 - هذا الخبر ، روى صدر منه فيما سلف : 15710 . وهو في سيرة ابن هشام مفرق 2 : 257 ، 258 ، ثم 2 : 266 ، 267 .
وفي تاريخ الطبري 2 : 270 ثم 2 : 273 ، ثم تمامه أيضًا في : 273 .
( 13 ) " اللطيمة " ، هو الطيب ، و " لطيمة المسك " ، وعاؤه ثم سموا العير التي تحمل الطيب والعسجد ، ونفيس بز التجار : " اللطيمة " .