قال أبو جعفر : والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك ، أن تكون " الهاء " في قوله : " فكفارته " عائدة على " ما " التي في قوله : " بما عقدتم الأيمان " ، لما قدَّمنا فيما مضى قبل ( 1 ) أنّ من لزمته في يمينه كفّارة وأُوخذ بها ، غيرُ جائز أن يقال لمن قد أوخذ : " لا يؤاخذه الله باللغو " . وفي قوله تعالى : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " ، دليلٌ واضح أنه لا يكون مؤاخذًا بوجه من الوجوه ، مَنْ أخبرنا تعالى ذكره أنه غيرُ مؤاخذه .
فإن ظنّ ظان أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " ، بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثْتُم وكفَّرتم = إلا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير = فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمرَه ونهيَه في كتابه ، على الظاهر العامّ عندنا = بما قد دللنا على صحّة القول به في غير هذا الموضع ، فأغنى عن إعادته ( 2 ) = دون الباطن العامِّ الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر . ولا دلالة من عقل ولا خبرٍ أنه عنى تعالى ذكره بقوله : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " ، بعضَ معاني المؤاخذة دون جميعها .
وإذ كان ذلك كذلك ، وكان من لزمته كفّارة في يمينٍ حنث فيها مؤاخذًا بها بعقوبة في ماله عاجلة ، كان معلومًا أنه غيرُ الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها .
* * *
وإذْ كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا بالذي عليه دللنا ، فمعنى الكلام إذًا : لا يؤاخذكم الله أيها الناس ، بلغوٍ من القول والأيمان ، إذا لم تتعمدوا بها معصية الله تعالى ذكره ولا خلافَ أمره ، ولم تقصدوا بها إثمًا ، ولكن يؤاخذكم بما تعمَّدتم به الإثم ، وأوجبتموه على أنفسكم ، وعزمتْ عليه قلوبكم ، ويكفر ذلك
هامش
( 1 ) انظر ما سلف 4 : 447 ، 448 .
( 2 ) انظر ما سلف 2 : 539 / 3 : 37 / 4 : 134 / 5 : 40 ، 130 ، ومواضع غيرها ، اطلبها في الفهارس .