وقال آخرون : معنى ذلك : اصبروا على دينكم ، وصابروا وَعدي إياكم على طاعتكم لي ، ورَابطوا أعداءكم .
* ذكر من قال ذلك :
8391 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي : أنه كان يقول في هذه الآية : " اصبروا وصابروا ورابطوا " ، يقول : اصبروا على دينكم ، وصابروا الوعد الذي وعدتكم ، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم ، حتى يترك دينه لدينكم . ( 1 )
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : اصبروا على الجهاد ، وصابروا عدوكم ورابطوهم .
* ذكر من قال ذلك :
8392 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، أخبرنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم في قوله : " اصبروا وصابروا ورابطوا " ، قال : اصبروا على الجهاد ، وصابروا عدوَّكم ، ورابطوا على عدوكم .
8393 - حدثني المثنى قال ، حدثنا مطرف بن عبد الله المدنّي قال ، حدثنا مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب ، فذكر له جموعًا من الروم وما يتخوَّف منهم ، فكتب إليه عمر : " أما بعد ، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن من منزلة شدة ، يجعل الله بعدها فرجًا ، وإنه لن يغلب عُسر يسرين ، وإن الله يقول في كتابه : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورَابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " . ( 2 )
* * *
هامش
( 1 ) الأثر : 8391 - " أبو صخر " هو : حميد بن زياد بن أبي المخارق ، أبو صخر الخراط ، صاحب العباء ، سكن مصر . ذكره ابن حبان في الثقات . مترجم في التهذيب .
( 2 ) الأثر : 8393 - " مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان الهلالي ، المدني ، مولى ميمونة أم المؤمنين ، وأمه أخت مالك بن أنس ، روى عن خاله مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وعبد الله بن عمر العمري ، وغيرهم . روى عنه البخاري والترمذي ، عن محمد بن أبي الحسن عنه وابن ماجة ، عن الذهلي عنه ، والربيع المرادي ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة وآخرون . قال أبو حاتم : " مضطرب الحديث صدوق " . وقال = ابن سعد " كان ثقة ، وبه صمم " . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 397 ، والجرح 4 / 1 / 315 . وكان في المطبوعة : " المرى " ، وفي المخطوطة مثلها ، وتقرأ " المزني " والصواب " المدني " أو " المديني " في نسبه كما جاء في المراجع ، وابن كثير 2 : 337 .
وفي ابن كثير 2 : 337 : " مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة " ، وفي الدر المنثور 2 : 114 " مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة " ، وفي المطبوعة والمخطوطة : " مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة " ، بحذف " من " والصواب إثباتها .
ومن الأخطاء الشائعة أن يقال إن " مهما " لا تدخل على الماضي ، وقد وردت في الآثار والأخبار والأشعار ، من ذلك قول أبي هريرة للفرزدق : " مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله " ( الكامل 1 : 70 ) وقول الأسود بن يعفر ( نوادر أبي زيد : 159 ) : أَلا هَلْ لِهَذَا الدَّهْرِ مِنْ مُتَعَلَّلِ . . . سِوَى النَّاسِ ، مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ
وهذا الأثر رواه الحاكم مطولا في المستدرك 2 : 300 بإسناده قال :
" أخبرنا أبو العباس السباريّ ، حدثنا عبد الله بن علي ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشأم ، وقد تألّبَ عليه القوم ، فكتب إليه عمر : " سلام الله عليك ، أمّا بعد ، فإنه ما ينزلْ بعبد مؤمن من منزلة شدة ، إلا يجعل الله له بعدها فرجًا ، ولن يغلب عُسْرٌ يُسْرين ، ( يَأَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .
فكتب إليه أبو عبيدة : " سلامٌ عليك ، أما بعد ، فإن الله يقول في كتابه : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأوْلادِ ) - إلى آخرها " .
قال : فخرج عمر بكتابه ، فقعد على المنبر ، فقرأ على أهل المدينة ثم قال : يا أهْل المدينة ، إِنما يعرّضُ بكم أبو عبيدة : أَنِ ارغبوا في الجهادِ " .
قال الحاكم : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .