يردّوا " فعل " بتأويل " لو " على " يفعل " مع " أن " ( 1 ) فلذلك قال : " فأصابها " ، وهو في مذهبه بمنزلة " لو " ، إذْ ضارعت " أن " في معنى الجزاء ، فوضعت في مواضعها ، وأجيبت " أن " بجواب " لو " و " لو " بجواب " أن " ، فكأنه قيل : أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب ، تجري من تحتها الأنهار ، له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر ؟ ( 2 ) .
فإن قال : وكيف قيل ههنا : " وله ذرية ضعفاء " ، وقال في [ النساء : 9 ] ، ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا ) ؟
قيل : لأن " فعيلا " يجمع على " فعلاء " و " فِعال " ، فيقال : " رجل ظريف من قوم ظرفاء وظراف .
* * *
وأما " الإعصار " ، فإنه الريح العاصف ، تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود ، تجمع " أعاصير " ، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري :
أُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوارُهُمْ . . . أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ العِرَاقِ المُبَذَّرِ ( 3 )
* * *
هامش
( 1 ) أي : أن يردوا الفعل الماضي بتأويل " لو " على الفعل المضارع مع " أن " .
( 2 ) هذا نص مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 175 ، وقد استوفى الباب هناك . وانظر ما سلف في جواب " لو " بالماضي من الفعل 2 : 458 / 3 : 184 ، 185 ، والتعليق هناك .
( 3 ) تاريخ الطبري 6 : 178 ، والأغاني 17 : 178 : وسيأتي في التفسير 15 : 53 مصحفًا أيضًا : " من فسق العراق المبذر " . والبيت في المطبوعة والمخطوطة هنا : " من سوء العراق المنذر " ، وهو كلام بلا معنى ، ولكني رأيت شارحًا شرحه على ذلك ، فأشهد الله كاد يقتلني من فرط الضحك ! وهو من أبيات ثلاثة قالها ابن مفرغ في خبره مع بن زياد ، حين هجاه ، وهجا معاوية بن أبي سفيان ( وانظر ما سلف 4 : 293 وتعليق : 2 ) وفارق عبادًا مقبلًا إلى البصرة ، فطاف بأشرافها من قريش يسجير بهم ، فما كان منهم إلا الوعد ، ثم أتي المنذر بن الجارود ( من عبد القيس ) فأجاره وأدخله داره ، ووشى الوشاة به إلى عبيد الله بن زيادة أنه دار المنذر . وكان المنذر في مجلس عبيد الله ، فلم يشعر إلى بابن مفرغ قد أقيم على رأسه ، فقام المنذر فقال : أيها الأمير ، قد أجرته ! فقال : يا منذر ، واله يمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي ، ثم تجيره على ! فأمر به فسقى دواء وحمل على حمار يطاف به وهو يسلح في ثيابه من جراء الدواء ، فقال عندئذ لعبيد الله بن زياد : يَغْسِلُ المَاءُ مَا صَنَعْتَ وَقَولِي . . . راَسِخٌ مِنْكَ فِي العِظَامِ البَوالِى
ثم هجا المنذر بن الجارود فقال : تَرَكْتُ قُرَيْشًا أَنْ أُجَاوِرَ فِيهمُ . . . وَجَاورْتُ عبدَ القَيْس أَهْلَ المُشَقَّرِ
أُناسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارُهُمْ . . . أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ العِرَاقِ المبَذَّرِ
فَأَصْبَحَ جَارِي مِنْ جَذِيمةَ نَائمًا . . . ولا يمنَعُ الجِيرَانَ غَيْرُ المُشَمِّرِ
وقوله : " من فسو العراق " ، وذلك أن عبد القيس ونبي حنيفة وغيرهم من أهل البحرين وما جاورها ، كانوا يعيرون بالفسو ، لأن بلادهم بلاد نخل فيأكلونه ، ويحدث في أجوافهم الرياح والقراقير . والمبذر : من التبذير ، وهو الإسراف في المال وتشتيه وتفريقه . وهذه صفة قد انتزعها ابن مفرغ أحسن انتزاع في هذا الموضع ، فجعلت سخرتته بالمنذر بن الجارود ، ألذع ما تكون ، مع روعة قوله : " أعاصير " ! !
قد جاء الأخطل بعد ذلك فهجا ابنه أيضًا مالك بن المنذر بن الجارود ، فقال له : وَعَبْدُ القَيْسِ مُصْفَرٌ لِحَاهَا . . . كَأَنَّ فُسَاءَهَا قِطَعُ الضَّبَابِ ! !
فبلغ منه ما بلغ ! ! ، وانظر طبقات فحول الشعراء : 298 ، 299 ، والتعليق هناك .