تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي : " قِدْرٌ صَلود " ، " وقد صَلدت تصْلُدُ صُلودًا ، ومنه قول تأبط شرًّا : وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ رَعْدٍ وَقِرَّةٍ . . . وَلا بِصَفًا صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ أعْزَلِ ( 1 ) * * * ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثلَ لأعمالهم ، فقال : فكذلك أعمالهم بمنزلة الصَّفوان الذي كان عليه تراب ، ( 2 ) . فأصابه الوابلُ من المطر ، فذهب بما عليه من التراب ، فتركه نقيًّا لا تراب عليه ولا شيء = يراهُم المسلمون في الظاهر أنّ لهم أعمالا - كما يُرى التراب على هذا الصفوان - بما يراؤونهم به ، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله ، اضمحلّ ذلك كله ، لأنه لم يكن لله ،
هامش
( 1 ) اللسان ( جلب ) ( عزل ) ، وغيرهما . ولم أجد القصيدة ، ولكني وجدت منها أبياتًا متفرقة ورواية اللسان والمطبوعة وغيرهما : وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ رِيحٍ وَقِرَّةٍ . . . وَلاَ بِصَفًا صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ مَعْزِلِ ولكنه في المطبوعة واللسان أيضًا " جلب ليل " ، والظاهر أن المطبوعة نقلت البيت من اللسان ( جلب ) دون إشارة إلى ما كان في المخطوطة ، ولكني أثبت رواية المخطوطة ، فإنها لا تغير وهي سليمة المعاني . الجلب ( بكسر الجيم أو ضمها وسكون اللام ) : هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل ، ويقال أيضًا : هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه . ورواية الطبري في المخطوطة تقتضي المعنى الأول : والقرة ( بكسر القاف ) والقر ( بضمها ) : البرد الشديد ، يقول : لست امرءًا خاليا من الخير ، بل مطيفًا بالأذى ، كهذا السحاب المخيل المتراكم ، مخيف برعده ، ويلذغ ببرده ، ولا غيث معه . أما رواية اللسان وغيره ، فشرحها على معنى السحاب الرقيق جيد . وقوله : " أعزل " من " عزل الشيء يعزله " إذا نحاه جانبًا وأبعده ، كما سموا الزمل المنقطع المنفرد المنعزل " أعزل " ، فهو من صميم مادة اللغة ، وإن لم يأتوا عليه في كتب اللغة بشاهد . وهذا شاهده بلا شك . أما قوله في الرواية الأخرى " معزل " فهو بمعنى ذلك أيضًا : معتزل عن الخير ، أو معزول عنه . وهو مصدر ميمي من ذلك ، جاء صفة ، كما قالوا : " رجل عدل " ، وكما قالوا " فلان شاهد مقنع " أي رضا يقنع به ، مصدر ميمي من " قنع " ، وهذا بيان لا تجده في كتب اللغة فقيده واحفظه . ( 2 ) في المخطوطة : " عليه ثواب " ، وهو تصحيف غث ، ولكنه دليل على شدة إهمال الناسخ وعجلته .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 525 | محمد بن جرير الطبري / محمود محمد شاكر / أحمد محمد شاكر