قال أبو جعفر : والصواب من القول عندي في " الطاغوت " ، أنه كل ذي طغيان على الله ، فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما بطاعة ممن عبده له ، وإنسانا كان ذلك المعبود ، أو شيطانا ، أو وثنا ، أو صنما ، أو كائنا ما كان من شيء .
* * *
وأرى أن أصل " الطاغوت " ، " الطغووت " من قول القائل : " طغا فلان يطغوا " ، إذا عدا قدره ، فتجاوز حده ، ك " الجبروت " " من التجبر " ، و " الخلبوت " من " الخلب " ، ( 1 ) . ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير " فعلوت " بزيادة الواو والتاء . ثم نقلت لامه - أعني لام " الطغووت " فجعلت له عينا ، وحولت عينه فجعلت مكان لامه ، كما قيل : " جذب وجبذ " ، و " جاذب وجابذ " ، و " صاعقة وصاقعه " ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال .
* * *
فتأويل الكلام إذا : فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله ، فيكفر به = " ويؤمن بالله " ، يقول : ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده ( 2 ) = " فقد استمسك بالعروة الوثقى " ، يقول : فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه ، كما : -
5846 - حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، عن حميد بن عقبة ، عن أبي الدرداء : أنه عاد مريضا من جيرته ، فوجده في السوق وهو يغرغر ، لا يفقهون ما يريد .
هامش
( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة " الحلبوت من الحلب " بالحاء المملة ، والصواب ما أثبت . يقال : " رجل خلبوت وامرأة خلبوت " ، وهو المخادع الكذوب ، وجاء في الشعر ، وما أصدق ما قال هذا العربي ، وما أبصره بطباع الناس ، وما أصدقه على زماننا هذا :
ملكتم فلما أن ملكتم خلبتم . . . وشرالملوك الغادر الخلبوت .
( 2 ) اطلب معنى " الإيمان " فيما سلف في فهارس اللغة .