القول في تأويل قوله تعالى : { إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إلا من سفه نفسه " ، إلا من سفهت نفسه . وقد بينا فيما مضى أن معنى " السفه " ، الجهل . ( 1 )
فمعنى الكلام : وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية ، إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ، ويضرها في معادها ، كما : -
2085 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " إلا من سفه نفسه " قال ، إلا من أخطأ حظَّه .
* * *
وإنما نصب " النفس " على معنى المفسر . ذلك أن " السفه " في الأصل للنفس ، فلما نقل إلى " من " ، نصبت " النفس " ، بمعنى التفسير . ( 2 ) كما يقال : " هو أوسعكم دارا " ، فتدخل " الدار " في الكلام على أن السعة فيها ، لا في الرجل . فكذلك " النفس " أدخلت لأن السفه للنفس لا ل " من " . ولذلك لم يجز أن يقال : سفه أخوك . وإنما جاز أن يفسر بالنفس ، وهي مضافة إلى معرفة ، لأنها في تأويل نكرة . ( 3 )
* * *
وقال بعض نحويي البصرة : إن قوله : " سفه نفسه " جرت مجرى " سفه " إذا كان الفعل غير متعد ، وإنما عداه إلى " نفسه " و " رأيه " وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو " سفه " ، إذا هو لم يتعد . فأما " غبن " و " خسر " فقد يتعدى إلى غيره ، يقال : " غبن خمسين ، وخسر خمسين " .
* * *
هامش
( 1 ) انظر ما سلف 1 : 293 - 295 .
( 2 ) التفسير والمفسر : يعني التمييز ، ويقال له أيضًا " التبيين " .
( 3 ) انظر بيان ذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 79 ، واللسان ( سفه ) .