تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فإن القُشَعرِيرة هي الانقباضُ ، ومنه حديث كعبٍ أن الأرض إذا لم تُمطر اربَدَّتْ واقشعرَّت ( 1 ) . وحديث عمر لما ضرب أبا سفيان بالدَّرَّة ، قالت له هندُ : لرُبَّ يومٍ لو ضربتَه ، لاقشعرَّ بطنُ مكة . قال : أجل ( 2 ) . ذكرها ابن الأثير في " نهايته " ( 3 ) . فكأنَّ هؤلاء ابتدؤوا ( 4 ) بالتَّفكُّر في أعمالهم ، وذُنوبهم ، وجهلِ خواتِمِهم ، وما سبقَ في علم الله لهم ، فاشتدَّ خوفهم ، حتَّى انتهى بهم الفِكرُ إلى رحمة الله تعالى وغناه وجمعه بين عظيم ( 5 ) الملك ، وعظيم الحمد ، فاستقرَّ في هذا المقام قرارُهم ، واجتمعت عليه جلودُهم وقلوبُهم ، ولذلك أجمع العلماءُ على ترجيح الرَّجاء عند الموت ، لأنه اللائِقُ بالله ، وإنما خِيفَت منه المفسدة على العبد ، فعُوِّضَ بالخوف ، لأجل المصلحة ، فإذا حقَّتِ الحقائق عند النَّزْعِ ، بطَلت مصلحةُ الخوف ، وتعيَّن الرَّجاء واللَّجأ . قال صاحب " الابتدا " في تفسيره " تجريد الكشاف مع زيادة نكتٍ لطاف " : وإنما عدَّاهُ بإلى ، لأنه ضمَّنه معنى يسكنُ ويطمئنُّ ، واختلف : فقيل : تقشعرُّ من آياتِ وعيده ، وتلينُ من آيات وعده عن السُّدِّيِّ . وقيل : تقشعرُّ لإعظامه خوفاً ،
هامش
( 1 ) انظر " غريب الحديث " للخطابي 3 / 7 . ( 2 ) أخرج ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( كما في " تهذيبه " 6 / 409 لعبد القادر بدران ) عن جويرية بن أسماء أن عمر قدم مكة ، فجعل يجتاز في سككها ويقول لأهل المنازل : قُمُّوا أفنيتكم ، فمرَّ بأبي سفيان ، فقال له : قمُّوا فناءكم . قال : نعم يا أمير المؤمنين ، حين يجيءُ مُهَّانُنا . ثم إن عمر اجتاز بعد ذلك ، فرأى الفناء كما كان ، فقال : يا أبا سفيان ، ألم آمركم أن تقمُّوا فناءكم ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين ، ونحن نفعل إذا جاء مُهَّاننا ، فعلاه بالدِّرَّة بين أذنيه ، فضربه ، فسمعَتْ هندُ ، فقالت : أتضربه ، أما والله لرُبَّ يوم لو ضربته لاقشعرَّ بك بطن مكة . فقال عمر : صدقت ، ولكن الله رفع بالإسلام أقواماً ، ووضع به آخرين . ( 3 ) 4 / 66 . ( 4 ) في ( ش ) : " ابتدؤوه " . ( 5 ) في ( ش ) : " عظم " .