تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بالسُّوء إلاَّ ما رَحِمَ ربِّي } [ يوسف : 53 ] ، وقول شعيب : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الأعراف : 89 ] ، وقول نوح : { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } [ هود : 34 ] . وقد بسطتُ القول في هذا الكتاب في أن الاستطاعة للعبد من الله تعالى لكمال حُجَّة الله ، فيعمل العبدُ باختياره ، ومشيئته ، تبعاً لمتقدِّم قَدَرِ الله ومشيئته ، وذلك أن الله أراد وقدَّر أن يكون العبدُ فاعلاً مختاراً ، لِمَا يُوجِبُ
هامش
= بتصنيف على حدة . وقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف عيه السلام من قوله : { ذلك ليعلم أني لم أخنه } في زوجته { بالغيب } الآيتين ، أي : إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز : { أني لم أخنه } في زوجته { بالغيب } وأن الله لا يهدي كيد الخائنين { وما أبرىء نفس إن النفس لأمّارة بالسوء } وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه . قلت : وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في " دقائق التفسير " 3 / 273 : وقوله : { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } [ يوسف : 53 ] فمن كلام امرأة العزير كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن حيث قال تعالى : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ( 52 ) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم } فهذا كله كلام امرأة . العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ، ولا سمع كلامه ولا رآه . ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز : { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } أي : لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته . فحينئذ : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِين } [ يوسف : 54 ] وقد قال كثير من المفسرين : إني هذا من كلام يوسف ، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول وهو قول في غاية الفساد ، ولا دليل عليه بل الأدلة تدل على نقيضه وقد بسط الكلام علي هذه الأمور في غير هذا الموضع .