أجابَ ابنُ الحاجب في " مختصر المنتهى " ، لكنه لم يذكر فيه لفظَ المعيَّة ، واقتصر على : { والذين آمنوا } على عادته في الاختصار ، وظَنَّ بعضُ المعتزلة أن الآية كذلك ، فقال : إنه عدلَ عن الظاهر لغير موجبٍ ، وليس بعدولٍ عن الظاهر مع تأمُّل فائدةِ لفظ المعيَّة ، فإن ذلك فيه ظاهرٌ ، كقوله تعالى : { والذين معه أشِدَّاءُ على الكفار رُحَمَاءُ بينهم } [ الفتح : 29 ] الآية ، وهي فيهم قطعاً إجماعاً ، وفي " المؤمن " في قصة موسى : { قالوا اقْتُلُوا أبناء الذين آمنوا معه } [ غافر : 25 ] ، وفي " الممتحنة " [ 4 ] : { قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه } ، وفي " سورة البقرة " [ 214 ] { حتَّى يقولَ الرسول والذين آمنوا معه } ، وفيها أيضاً [ 249 ] : { فلمَّا جَاوَزَهُ هو والذين آمنوا مَعَهُ } ، فكذلك هذه .
وهذا محتملٌ مانعٌ من ظهور غيره ، ولا مانع من ذلك ( 1 ) قاطع ، خصوصاً على قول المعتزلة : إن الصحابي من لازم وطالت ملازمته ، فلم يكن في مَنْ هذه حالُهُ من يُعلم بدليلٍ قاطعٍ أنه يدخل النار .
أما الذين قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " ، فقد صحَّ " أنهم ما زالوا يرتدُّون القهقرى " ( 2 ) ويحتمل أنهم مِمَّن ارتدَّ أو ظهر نفاقُه ، ولا يُرَدُّ الاحتمالُ بالاحتمال ، إنما يُرَدُّ بقاطعٍ ، وهذه نكتةٌ لطيفةٌ فتأملها ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } [ الحشر : 10 ] ، ولم يقل : آمَنُوا معنا ، ولا : آمنَّا معهم ، بل تحتمل الآية احتمالاً قريباً أن يكون في السابقين إلى الإسلام من الصحابة ، فإنهم آمنوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت المتقدِّم ، وقد فرَّق الله بين من أنفق قبل الفتح ، ومن أنفق بعده من الصحابة ، كيف لا يقع فرقٌ بين الصحابة وغيرهم .
هامش
( 1 ) " من ذلك " ساقطة من ( ف ) .
( 2 ) أخرج البخاري ( 6585 ) من حديث أبي هريرة : " يرد عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي ، فيُجْلَوْنَ عن الحوض ، فأقول : يا ربِّ ، أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى " .