تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
من البحث الطويل ، والبُعْدِ الكثير ، والجمع بين المختلفات ، والتَّحرِّي والإنصاف وتوفية الاجتهاد حقه في طلب الظن الأقوى ، وتمهيد قواعد ذلك حسب الإمكان . وقد يعضد من وقف على تصحيح حديثه بأن مدار الجواب على الحمل على السلامة ، ولو بالتأويل الممكن المرجوح لقرائن تُصَيِّرُ ذلك المرجوح راجحاً عند من وثَّقه ، وتلك القرائن ثبوت عدالته ، وكثرة الثناء عليه ، مع أن القدح لم يكن بأمرٍ قطعيٍّ لا يحتمل التأويل . ويقوي هذا العذر لمن وثقه : ما عُلِمَ من طباع البشر في سوء الظن بمن عَلِمَ ما لا يعلمون ، أو روى ما لا يعرفون ، وكفى في ذلك بقصة الخَضِر مع موسى عليه السلام ، فإنه لما رأى منه ما لا يعرف له وجهاً ، قطع ببادىء الرأي بقبحه وإنكاره ، ولم يصبر ، مع أن الله تعالى هو الذي أخبره عن تفضيل الخضر عليه في العلم ، ومع ما تقدم من تحذير الخضر له من عدم الصبر ومن وعده بالصبر ، ثم أعجب من هذا : تكرُّرُ هذا منه ، وعدم اعتباره ( 1 ) بالمرة الأولى ، وهذه القصة - كما قيل - تكُفُّ كفَّ الاعتراض على الأعلم ( 2 ) . ومن ذلك حديث بريدة في قصة السبِيَّة التي أخذها علي عليه السلام من المغنم ، ووطئها ، فأنكروا ذلك عليه ، وكتبوا مع بُريدة كتاباً بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قاطعين بقُبحه ، حتى ذبَّ عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . والحديث معروف في " البخاري " ، و " مسند أحمد " وغيرهما ( 3 ) . وهذا بابٌ واسعٌ ، لو بسطته ، لطال الكلام ، والقليل يكفي المنصف عِبْرَةً . وقد تبادر كثيرٌ من أهل العلم إلى القطع بالتكذيب حين يسمعون المستَبْعَدات ، وقد كان عمر بن الخطاب من أسوأ الناس ظنَّاً بمن روى ما لا
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " اعتبار " . ( 2 ) في ( ف ) : " عن الاعتراض " . ( 3 ) أخرجه أحمد 5 / 351 و 359 ، والبخاري ( 4350 ) .