يُظَنُّ به وبأمثاله التَّخليطُ على أهل الإسلام بروايات الأحاديث ( 1 ) المنسوخات وتبشيرهم بها من غير تصريحٍ بالنسخ ، ولا تأويلٍ ولا تلويحٍ ؟ ولو كان شيءٌ من ذلك ، لنقله الثقات عنهم الذين نقلوا هذه البشارات ، بل لبَيَّنهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأوضح البيان ، خصوصاً وقد ظهر منه المنسوخ ظهوراً متواتراً ، فكان يجبُ أن يُظهِرَ الناسخ كذلك كما هي صفته وصفة الرسل . وقال الله تعالى : { وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ بِلِسانِ قومه ليُبَيِّنَ لَهُمْ } [ إبراهيم : 40 ] ، فتأمَّل ذلك ، والله الهادي .
وما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مترقِّياً في مراتب القريب والإجابة والجاه والتَّبشير ، فخُفِّفَتْ بجاهه الصلوات من خمسين إلى خمسٍ ، ونُسِخَ وجوب قيام الليل ، وكانت في المال حقوقٌ كثيرةٌ نُسِخَتْ بالزكاة ، وكان الصوم من بعد العشاء الآخرة ، ومن نام قبلها حرُم عليه الأكلُ والنكاحُ قبلها أيضاً ، فنُسِخَ ذلك ، ورُخِّصَ في الفِطْرِ للمسافر والمريض والحُبلى والمُرضِعِ على ما هو مفصَّلٌ في مواضعه ، ونُسِخَ غسلُ البول من سبعٍ إلى ثلاثٍ ، وعند الشافعي إلى واحدٍ ، ونُسِخَ قتل الشارب في الرابعة ، وحَبْسُ الزَّانيين حتَّى يموتا وأذاهما ، وقتال الواحد العشرة ، وتحريم القتال للعدوِّ في الأشهر الحُرُم ، والوضوء مما مسَّتِ النار ، ونسخ تحريم ادِّخارِ الأضاحي فوق ثلاثٍ ، وفساد صوم المُصبح جُنُباً ، وتحريم الحجامة على الصائم ، والانتباذُ في الآنية المنهيِّ عنها ، ووجوبُ الهجرة على مَنْ لم يُفتن ، وغير ذلك .
وقال الواحدي في " أسباب النزول " ( 2 ) في قوله تعالى : { وإذا بَدَّلْنَا آيةً مكانَ آيةٍ } [ النحل : 101 ] ، نزلت حين قال المشركون : إن محمداً يسخرُ بأصحابه ، يأمرُ اليوم بأمرٍ ، وينهاهم عنه غداً ، ويأتيهم بما هو أهون عليهم ، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها . انتهى .
هامش
( 1 ) " الأحاديث " ساقطة من ( د ) و ( ف ) .
( 2 ) ص 189 - 190 .