تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
أحدهما إما خاص ، وإما ناسخ ، ولا سبيل إلى تكذيب الراوي ، ولا وجهَ لتعذُّر التأويل ، وإنما اختلف العلماء في الظاهر من أجل العمل فقط ، لا من أجل تعذُّرِ التأويل ولا التناقض في نفس الأمر ، فقال الجمهور : إن الظاهر أيضاً لا يتعارض بل يبني العام على الخاص . قال الشيخ أبو الحسين : وهو الذي عليه علماء الأمصار ، ولهذا عملوا بذلك في قوله تعالى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ } [ الطلاق : 4 ] ، مع قوله تعالى في المطلقات على العموم : إن عدَّتَهُنَّ ثلاثة قُرُوء ، وأمثالُ ذلك كثير ، فأين التناقض من هذا المُوجب للقطع بتكذيب الراوي وجرحه ؟ هذا لم يقل به أحدٌ من الأولين ولا من الآخرين ، وما كان السيد يعرف القرآن العظيم . أين هو من قوله تعالى في { يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ } [ البقرة : 254 ] ، مع قوله تعالى : { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } [ الزخرف : 67 ] ، مع أنه قد كان نفى الخُلَّةَ في يوم القيامة ، فكان يلزم السيد أن هذا متناقضٌ متكاذب ، وكذلك قد كان نفى الشفاعة في تلك الآية ، ثم أثبتها في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن ، مثل قوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [ الأنبياء : 28 ] ، أي : الشفاعة له كما يأتي بيانه ، وذلك مثل قوله تعالى : { إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } [ النجم : 26 ] ، وقوله في المجرمين المَسُوقين إلى النار : { إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } [ مريم : 87 ] . وقد أجمعت الأمة والعترة على ثبوت الشفاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن اختلفوا لمن هي ، فلم يكن ذلك متناقضاً مُتكاذِباً . والقرآن مشحونٌ من العموم والخصوص ، حتى قال بعض العلماء : جميع ما في القرآن من العموم مخصوصٌ إلاَّ قوله تعالى : { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ البقرة : 29 ] ، فلو كان التخصيص تكذيباً للعموم ونقضاً له ، لكان القرآن أو أكثرُه منقُوضاً مُتكاذِباً ، تعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً . وإذ قد بلغ السيدُ إلى هذه الغاية في إنكار الجليَّات ، فلنذكرِ الدَّليل على
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 385 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )