قلت : إنما يعيبون ذلك على معنى أنه خلاف الأولى في الرأي والتدبير ، كما عاب أصحاب الحسن بن علي عليهما السلام صُلح معاوية عليه ، وكما فعل ابن عباس عند خروج الحسين عليهم السلام بدليل ما قدمنا من تجويزهم له في أحد أقوالهم ، وكونها عندهم مسألةً ظنية ، كل مجتهدٍ فيها مصيبٌ .
وقد صرح بهذا المعنى الذهبي في " النبلاء " ( 1 ) ، فقال عند ذكره لزيد بن علي عليه السلام : إنه خرج متأوِّلاً ، وقتل شهيداً رحمه الله ، وليته لم يخرج فترحّم عليه ، ونص على أنه عنده مظلومٌ شهيدٌ ، وتمنى أنه لم يخرج ، شفقةً عليه ، وصيانةً له ، وتألُّماً مما ناله ، ولذلك لم يذكره في " الميزان " الذي ذكر فيه كل من فيه أدنى مقالٍ أو خلاف ، ووثقه في كتاب " التذهيب " ( 2 ) الذي في الثقات والله أعلم .
الفائدة الثالثة : في بيان الضرورة التي ذكرها الفقهاء ، وادعوا أنها تُبيح أخذ الولاية منهم .
وأنا أذكر ما حضرني ، فأقول : لا شك أن ( 3 ) أكثر الأقطار الإسلامية قد غلب عليها أئمة الجور من بعد انقراض عصر الصحابة ، فإن الشام ومصر والمغرب والهند والسند والحجاز والجزيرة والعراقين واليمن وأمثالها ، ما استدامت فيها دولة حق في قرونٍ عديدةٍ ، ودُهُورٍ طويلةٍ ، ولا شك أن في هذه الأقاليم من عامة أهل الإسلام عوالم لا يُحصون ، وخلائق لا ينحصرون ، ولا شك أنهم في هذه القرون العديدة ، وفي هذه الأقطار الكبيرة ( 4 ) لو تركوا هَمَلاً لا يقام فيهم حد ، ولا يُقضى فيهم بحق ، ولا يجاهد فيهم كافر ، ولا يُؤدَّبُ فيهم عاصٍ ، لفشا فيهم الفساد ، وتظالم العباد ، ومرج أمر المسلمين ، وتعطلت أحكام رب العالمين ،
هامش
( 1 ) 5 / 391 .
( 2 ) 5 / 391 ، وقد تحرف في الأصول إلى : " التهذيب " ، وقول المصنف " الذي في الثقات " فيه نظر ، فإن كتاب " التذهيب " يترجم رجال الكتب الستة ، وفيهم الثقة والضعيف ، والمتروك .
( 3 ) " أن " ساقطة من ( ش ) .
( 4 ) في ( ف ) : " الكثيرة " .