ذكره الذهبي وابن حجر في ترجمة زيد بن وهبٍ التابعي الجليل ( 1 ) ، ولا مرتبة في العدالة أعظم ولا أرفع أن يكون الموثِّقون للرجل أئمة خصومه .
على أن المعنى العقلي والتجارب المستمرة قاضيةٌ بصحة هذه الأحاديث ، وذلك أن من آمن بالله عزَّ وجلَّ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وباشر الإيمان قلبه ، أحبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الطبيعة والشريعة .
أما الطبيعة ، فلما جُبلت عليه القلوب من حبِّ من أحسن إليها ، ولا إحسان من المخلوقين أعظم من إحسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعظم نفعه ( 2 ) وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وإنقاذهم من الكفر ومن النار ، وإكمال شفقته عليهم حتى صحَّ أنها وُهِبَتْ له دعوة مستجابة كما وهبت لكل نبي ، فاختبأ دعوته لهم ، وآثرهم على نفسه النفيسة ولو نتعرَّض لاستيفاء ما ورد في هذا ، لخرجنا عن المقصود .
وأما الشريعة ، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام : " أنه لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه ومن الناس أجمعين " ( 3 ) . فإذا ثبت أن الإيمان يستلزم غاية ( 4 ) الحب للرسول قطعاً ، عقلاً ، وشرعاً ، فكذلك حُبُّه يستلزم حُبَّ من يحبُّه الرسول وحبَّ ناصريه الذين عُلِمَ بالضرورة حبهم له وحبُّه لهم ، وبذلهم أرواحهم على الدوام في مرضاته ووقايته ، فكما أن الضرورة تقتضي أن الرسول يحبهم لذلك ، وكذلك الضرورة تقتضي أن من يُحِبُّ الرسول يحبُّهم لذلك بقوَّة الداعية الطبيعية البشرية والدينية البشرية الفطرية ، ولذلك قيل : أصدقاؤك ثلاثةٌ : صديقك ، وصديق صديقك ، وعدوُّ عدوِّك . وأعداؤك ثلاثة : عدوُّك ، وعدوُّ صديقك وصديق عدوِّك ، وأنشدوا في هذا المعنى :
هامش
( 1 ) انظر " الميزان " 2 / 107 ، و " التهذيب " 3 / 426 - 427 ، و " الإصابة " 1 / 567 .
( 2 ) في ( ف ) : " نفعه لهم " .
( 3 ) تقدم تخريجه ص 97 من هذا الجزء .
( 4 ) " غاية " ساقطة من ( ف ) .