ومن المعلوم لكلِّ عاقلٍ أنه قد ثبت العلمُ بأعداءِ الملوك ومحبَّة الملوكِ لقتل أعدائهم من غير إقرارٍ صحيح بذلك وكتابة ( 1 ) شهادات العدول في السِّجلاَّت بذلك ، ولا شكَّ أنَّ عداوة يزيد للحسين من أشهر العداوات ، وأنَّ رضاه بقتله من أوضحِ الأمور الظَّاهرات ، والله أعلم .
الوجه السادس : أنَّه ثبت في الصَّحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقلَ ملك الرُّوم أنَّ عليه إثم الأَريسيِّين ( 2 ) ، وهم أهلُ الجهل والخطأ ( 3 ) والجفاء مِن أهل دينه مثل الحراثين ، ومِنَ المعلوم أنَّه لو لم يأمرهم ويرضى بدينهم ما كان عليه مِن إثمهم شيءٌ ، وأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما قال له بذلك لأن ( 4 ) ، ظاهر حاله أنه راضٍ بذلك ، لقدرته على التغيير ، ولو كان كارهاً لغيَّر ، فكذلك سائر الملوك الجبابرة الظاهر منهم الرضا بكلِّ قبيح ظهر في ممالكهم ولم ينكروه ، وكذلك يزيد ، فإن قتلة الحسين عليه السلام جاؤوا برأسه الكريم مبشرين له ، وطالبين للثواب منه ، ومظهرين له أنهم قد فعلوا له أحب الأمور إليه ، فأقرهم على ذلك ، ورضي عنهم ، وقد يُحكم بالرضا بأقل من هذا ، فقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - برضا البكر بالتزويج لسكوتها ( 5 ) ، وليس القصد القياس ، وإنما القصد التنبيه على أن الرضا قد يُعرف بغير نُطقٍ وإلا لزم فيمن تزوجت برجلٍ وهي بكرٌ بالغةٌ وأقامت معه ، حتى وُلِدَ له منها أولادٌ ( 6 )
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " وكتابات " .
( 2 ) انظر 1 / 207 و 2 / 45 ، وانظر أيضاً " مصنف عبد الرزاق ( 9724 ) ، و " صحيح البخاري " ( 4553 ) ، و " صحيح مسلم " ( 1773 ) ، و " مسند أحمد " 1 / 263 ، و " صحيح ابن حبان " ( 6555 ) .
( 3 ) " والخطأ " ساقطة من ( د ) و ( ف ) .
( 4 ) في ( ش ) : " أن " .
( 5 ) أخرج أحمد 6 / 165 ، والبخاري ( 5137 ) و ( 6946 ) ، ومسلم ( 1420 ) ، والنسائي 6 / 85 - 86 ، وابن حبان ( 4080 ) و ( 4081 ) و ( 4082 ) من حديث عائشة مرفوعاً : " استأمروا النساء في أبضاعهن " . قيل : إن البكر تستحيي . قال : " سكوتها إقرارها " .
( 6 ) في " ف " : حتى ولدت له أولاداً .