فنسأل الله السلامة من هذا التدقيق ، ونسأله أن يَهَبَ لنا عِوَضَه الإيمان والتصديق ، واللطف والتوفيق .
على أن هذه الطائفة من الأشعرية يُناقضون نفي الحكمة والعِلَّة في أفعال الله تعالى في كتبهم في أُصول الفقه ، خصوصاً في باب القياس ، وقد صرحوا فيه بأن أكثر صِيَغ التعليل التي ذكرتها في الآيات الكريمة صيغٌ صريحةٌ ، وأن أكثر الشريعة مُعَلَّلٌ ، وذلك ظاهرٌ ، قال ابن الحاجب في " مختصر المنتهى " ( 1 ) في مسالك العلة : إنها صريحٌ وتنبيهٌ وإيماءٌ ، فالصريح مثل : لعلة كذا ، أو لسبب ، أو لأجل ، أو كي ، أو إذا ، أو مثل : لكذا ، أو إن كان كذا ، أو بكذا ، أو مثل " فإنهم يحشرون " ( 2 ) . { فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] ، ومثل : " سها فسجد " ( 3 ) . ثم ذكر الإيماء والتنبيه بعد ذلك ، فأعرض عن هذا على ما قدمته لك في الأنواع المقدمة ، والله الموفق .
بل ادعى ابن الحاجب في دليل العمل بالسَّبر وتخريج المناط إجماع الفقهاء على أنه لا بد للحكم من علةٍ وظهور التعليل وغَلَبَتِهِ ، ثم احتج على ذلك بعد الإجماع بقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، قال : والظاهر التعميم ، وقرَّره الشُّرَّاح .
لكن قال الشيخ عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الشافعي ( 4 ) في " شرحه " : إن ذلك إجماع الفقهاء وجوباً عند المعتزلة ، وتفضُّلاً
هامش
( 1 ) ص 179 .
( 2 ) قطعة من حديث " زملوهم بكلومهم ، فإنهم يُحشرون وأوداجهم تشخب دماً " وهو في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه بنحوه .
( 3 ) تقدم تخريجه 2 / 302 ، وهو حديث صحيح .
( 4 ) كان قاضي قضاة المشرق ، وشيخ العلماء والشافعية بتلك البلاد ، قال السبكي : كان إماماً في المعقولات ، عارفاً بالأصلين والمعاني والبيان والنحو ، مشاركاً في الفقه . توفي سنة 756 . وشرحه لمختصر ابن الحاجب قال فيه الشوكاني : قد انتفع الناس به من بعده ، وسار =