في أكثر مذاهبهم التي يُعَوِّلون عليها ويلجؤون إليها .
وفي هذه المسألة خالفوا الأصول ، وأضاعوا المعقول والمنقول .
وعلى كلامهم : لا فرق بين اتصاف الله بالحكمة والرحمة والعفو والجود وأضدادها .
وعلى كلامهم : لا فرق بين ما تمدَّح الله به من إقامة العدل يوم القيامة ، ونصب موازين الحق ، وإكرام أنبيائه وأوليائه ، وإدخالهم الجنة ، وتشفيعهم ، وإخزاء أعدائه وتعذيبهم ، وبين العكس من ذلك كله ، وأن الله - تعالى عن ذلك - لو عكس جميع أحكامه العادلة يوم القيامة ، وعذَّب الأنبياء والأولياء وأخزاهم ومقتهم ولعنهم وخلَّدهم في طبقات النِّيران ، وأشمت بهم أعداءهم ، وجعل كرامتهم وما أعدَّ لهم لأعدائهم وأعدائه الكفرة الفجرة الخِساس الأراذل ، لكانا في محض حكمته وعقول العقلاء على سواءٍ .
فإن اعترف منهم مُنْصِفٌ أن هذا العكس صفة نقصٍ يجب تنزيهه عنها ، كالكذب سواء ، فقد هُدِيَ إلى سواء السبيل ، وإن رام بينهما فرقاً ، فقد طَمِعَ في غير مطمعٍ .
وتلزمهم أيضاً تسوية جميع أفعال الله تعالى في الدارين معاً بالاتِّفاقيَّات ، وبآثار العلل الموجبة ، وبأفعال المجانين والصِّبيان ، بل والمفسدين ، فإن أفعال هؤلاء صاروا مثلاً في النقص والخِسَّةِ ، لخُلوِّها من الحكمة ، وقد جعلوا أفعال الله تعالى أبعد منها عن الحِكَمِ لوجهين :
أحدهما : أنهم جعلوها كلِّها كذلك ، وجعلوا تجويز الحكمة فيها من المُحال ، وليس تجويز الحكمة على ما ذكرنا من المحال .
وثانيهما : أنهم جعلوا الحكمة في حق الله تعالى تؤدِّي إلى أن يكون فقيراً محتاجاً إليها ، فجعلوها صفة ذمٍّ له ، وهذا مخالفٌ للمعقول والمنقول والإجماع ، وكان يلزمهم تنزيه الله تعالى من الإرادة والعلم والقدرة ، وأن يكون
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 313
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص٣١٣