تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الوجوه والاعتبارات الإضافية ، وهي لا تقع على تلك الوجوه بقدرة الرب عند الفريقين أيضاً ، لأن تلك الوجوه ليست بأشياء حقيقيةٍ عند الجميع ، والمضاف إلى قدرة الله تعالى في أفعال العباد إنما هو إخراج ذوات الأفعال التي هي أشياء حقيقيةٌ من العدم إلى الوجود ، وقدرة العبد تؤثر في وقوع ذوات الأفعال على تلك الوجوه المختلفة ، ولأجل وقوعها بقدرة العبد وحده على تلك الوجوه استحقت أسماءً لا يصح إطلاقها على الله تعالى مثل : العبادة والطاعة والمعصية ، فلو وقعت تلك الوجوه بقدرة الله سبحانه لزم أن يُسَمَّى مطيعاً وعابداً وعاصياً ومُصَلِّياً وصائماً ، ونحو ذلك . فلما كانت هذه الأسماء لا تطلق عليه ، إنما يطلق عليه أنه الخالق الموجد المبدع ، دلَّ على أن متعلق قدرته سبحانه هو ما اشتق له منه الأسماء الحسنى ، وأن الاشتقاق من الفعل الواحد يختلف بحسب اختلاف وجوهه . كما أن إيلام اليتيم ذاتٌ واحدة ، وأسماؤه وصفاته تختلف ، فحين يكون تأديباً له ممن له ذلك يُسَمَّى تأديباً وإحساناً وإصلاحاً وقربةً وطاعةً ، وحين يكون على ضد ذلك يُسمى معصيةً وظلماً وعدواناً ، وحين يكون من الله تعالى يستحيل فيه اسم المعصية والطاعة والظلم والقبح ، ويبقى اسم الإحسان والإصلاح والتأديب . فهذا شيء واحد اختلفت أسماؤه لوقوعه على الوجوه المختلفة ، فكذلك سائر الذوات الموصوفة بالقبح ، متى استحقت اسم القبح لوجهٍ وقعت عليه بقدرة العبد لا يستحقه لعدم ذلك الوجه حين تقع تلك الذات منسوبةً إلى قدرة الرب . وبالجملة فإن المعتزلة والأشعرية اتفقوا على أن المعاصي والطاعات كلها ليست هي الذوات المُخْرَجة بالقدرة من العدم إلى الوجود ، وإنما هي وجوهٌ تقع الذوات عليها ، وجهاتٌ لاستحقاق الذمِّ والعقاب ، والثناء والثواب ، وتلك الوجوه لا نحتاج إلى قدرة الله لتُؤَثِّرَ فيها على انفرادها ، لأنها ليست بأشياء .