تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
مثالٌ لبعض ( 1 ) ذلك : التروك ، فإنها توصف بالتحريم متى كانت تُروكاً للواجبات ويستحق عليها الذم والعقاب ، وتوصف بالوجوب متى كانت تُروكاً للمحرمات ويستحق عليها الثناء والثواب ، مع أن التروك عند جماهير المعتزلة عدمٌ محضٌ ، وإنما هي جهةٌ لاستحقاق الذم والعقاب ، أو الثناء ( 2 ) والثواب . ومن قال منهم : إنها كفُّ النفس ، وأن الكفَّ أمرٌ ثبوتي كالبَلْخِي والجُبَّائي ، قال : إن الحُسْنَ والقبح الذي في التروك عَدَمِيٌّ إضافي ، لأن الترك الواحد قد يكون كفّاً عن الواجب والحرام معاً ، مثل من ترك الصلاة والظلم واشتغل بالمباح ، فإن المباح عند هؤلاء واجب بالنظر إلى كفه عن الحرام ، وحرام بالنظر إلى كفه عن الواجب . فلو كان الوجوب والتحريم حقيقِيَّيْنِ كالسواد والبياض لم يجتمعا ، فدل على أن الحسن والقبح ليسا بشيء حقيقي ، وأن جميع الطاعات والمعاصي ليست بذواتٍ وأشياء تحتاج إلى قدرة الرب تعالى عند الجميع . وقد يظن أن الجويني وأبا الحسين يخالفان في هذا ، وليس كذلك ، كما سيأتي مُحَقَّقاً إن شاء الله تعالى . ومن أدَقِّ ذلك الكلام في الكذب ، فإنه لا يجوز أن يضاف الكذب إلى الله تعالى عند أهل السنة ، لأنه لم يكن كذباً لذاته التي أثَّرت فيها قدرة الله تعالى ، بل الصحيح عند المعتزلة أيضاً أنه لا يكون كَذِباً إلاَّ كذلك بحيث إنه عندهم إذا جُرِّدَ عن نسبة بعضه إلى بعض بالقصد لم يُوصَفْ عندهم بأنه صدق ولا كذب . فإن قلت : وما ذاتُه الموجودة بقدره الله تعالى عند أهل السنة ؟ قلت : أحد أمرين : إما مجرَّد الصوت ، لأنه من المُتَولَّدات عن الاعتماد ، والمتولدات عندهم كلها فعل الله لعدم اختيار العبد فيها بعد وجود سببها كسواد
هامش
( 1 ) في ( ش ) : بعض . ( 2 ) في ( ش ) : والثناء .