فإن قيل : فإذا لم يفعل المكلَّف الواجب ، لزم أن لا تقوم عليه الحجة ، لأنه لم يُعِنْه ( 1 ) الله تعالى حين لم يخلقه ، ولو خلقه ، ما قَدَرَ العبد على تركه ، وهذا حقيقة الجبر ونفي الاختيار .
قلنا : لم يختلفوا في أن الاختيار إلى العبد ، وأن الله تعالى ( 2 ) يخلق عند اختياره ما اختاره العبد ، حتى صرَّح بذلك الأشعري والرازي اللذان نُسِبَ إليهما أفحشُ الجَبْرِ الصريح ، وتكليف ما لا يطاق كما يأتي .
وإنما خلاف هذه الفِرقة الأولى لسائر فِرَق الأشعرية أثبتوا تأثير قدرة العبد في عين ما أثَّرَتْ فيه قدرة الرب عزَّ وجلَّ من وجود الذات وإخراجها من العدم بمعونة الله تعالى ، كما هو قول بعض الفرقة الرابعة وهو الإمام الجويني كما يأتي ، ويأتي الفرق بينهم ، وأما أكثر الأشعرية ، فإنهم منعوا تأثير قدرة العبد في إخراج الذات من العدم إلى الوجود .
وأما الاختيار ، فلم تختلف فرقهم الأربع في إثباته للعبد ، وصلاحية قدرته فيه ، سواء تعلَّقَ بالترك أو بالفعل ، كما يأتي تحقيقه ، ولكنه لا يكون اختياره إلا تابعاً وموافقاً لما سبق من مشيئة الله تعالى أن يفعل العبد مختاراً ، كما لم يختلفوا هم والمعتزلة في أن الاختيار وضع الأمر لما سبق به علم الله تعالى وكتابه ، كما تقدم تحقيق ذلك في الكلام على الأقدار ، وبيان عدم التناقض في الجمع بين القول بنفوذ القدر والمشيئة والاختيار ، بل الاختيار عند هذه الفرقة مقدور بين قادِرَيْنِ .
وقد حاوَلَتِ المعتزلة الرد على هؤلاء والتكفير لهم .
فأمَّا الرد عليهم ، فلست أتعرَّض لنَقْضِه ، بل هو عندي حقٌّ وصواب ، ولكن ما هو من مقصود كتابي هذا ، فإن سائر طوائفِ أهل السنة الثلاث الآتية ترُدُّ على
هامش
( 1 ) في ( ش ) : يعبد ، وهو تحريف .
( 2 ) من قوله : " ما قدر العبد " إلى هنا سقط من ( ش ) .