تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
حكى هذا عنه ابن مَتَّوَيه في " تذكرته " وهو من أئمة الاعتزال تلميذٌ لقاضي القضاة عبد الجبَّار ، وحكاه عنه الشهرستاني في " نهايته " . فالذي ألجأ أبا عليٍّ الجُبَّائيَّ إلى ذلك مع غوصه على دقائق الكلام الحذر من مخالفة إجماع المسلمين على أن القرآن المتلُوَّ بالألسنة ، المكتوب في المصاحف كلام الله تعالى ، فحمله خوفه مخالفة السمع الدالِّ على أن الإجماع حُجَّة على هذا القول المعلوم بطلانه عقلاً وسمعاً ، كما يَعرِف ذلك أدنى المميِّزين مع جلالة أبي علي في علم النظر ، ما ذلك إلاَّ لخوف الابتداع وخوف مخالفة الإجماع ، فلم تنتقصه المعتزلة ، ولا ذمَّته بسقوط المنزلة . وكذلك أئمة الحديث والأثر ، وكثيرٌ من أهل الكلام والنظر ، لما سمعوا ظواهر القرآن والسنن تقضي بأن الله تعالى خالق كل شيءٍ ، وأن إرادته ومشيئته أساس كل شيء ، حتى قال لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ الكهف : 23 - 24 ] ، { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ } [ النحل : 127 ] ، وذمَّ الذين أقسموا لَيَصْرِمُنَّ جنتهم ( 1 ) مصبحين ولا يَستثنون ، وأمر أكمل عباده بالاعتراف بذلك في قوله : { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا } [ الأعراف : 188 ] ، مع ما قرروه في كتبهم الكلامية من الأنظار العقلية ، قضوا بذلك . على أن هذه الفرقة التي جعلوا فعل العبد وخلق الرب شيئاً واحداً ، ولم يفرقوا بينهما ، هم أقل فِرَق أهل النظر من أهل السنة ، كما أَوضحه إن شاء الله تعالى . بل لا يكاد يتحقَّقُ القائل به من أئمة النظر منهم ، ولكنه أكثر ما يلزم من إطلاق عباراتهم ، وقد يقول به ولا يبحث عن دقائق الكلام لجلائه ، فإن صحة المقدور بين قادرين مما يعقله الكافَّة ، ولا يعجز عن فهمه أحدٌ من العامة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : ليصرمنّها . ( 2 ) قوله : " أحد من العامة " سقط من ( أ ) .