تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وأما قولهم : " كلّفنا ما لا نُطِيق " ( 1 ) ، فقد يورد ذلك فيما يَشُقُّ ( 2 ) ويصعُبُ كثيراً ، ولعله قول بعضهم ، ولا حجة فيه مع أنه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وفي توثيقه وتضعيفه خلافٌ كثير ، ولذلك لم يُخَرِّجْ له البخاري شيئاً ولا أخرج هذا الحديث ، ولعل مسلماً إنما أخرجه لموافقته لحديث ابن عباس بنحوه ، لكنه لم يذكر قولهم : " لا نطيق " بل قال : إنه دخل في قلوبهم منها شيء ، لم يذكر في قلوبهم من شيء . وكذلك لفظ النسخ لم يذكره ابن عباسٍ في حديثه عند مسلم ، فلفظ ابن عباس علي ما ذكرته ، وأن آخر الآية مفسرٌ لأولها لا ناسخ ، والله سبحانه أعلم . وأما التحميل في قوله تعالى : { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [ البقرة : 286 ] فليس بتكليفٍ إنما هو مثل إنزال الأمراض والبلاوي العظيمة . وما خالف هذه القاعدة المنصوصة في محكم كتاب الله تعالى على وفق الحكمة المعقولة من الأوامر ما لا يُطاق فليست للطلب والتنجيز ، ولها معان لطيفة يعرفها أئمة المعاني والبيان ، فلتطلب من مَظَانِّها . إذا عرفت هذا فاعلم أن من قال : ليس بتكليفٍ ، كما هو الحق ، فسره بما قدمنا عن الجويني ، ومن قال : إنه تكليف ، لم يُخالف في الحقيقة إلاَّ في معنى التكليف كما قال الغزالي فزعم أن إيراد صيغة الأمر في خطاب من يفهم يسمى تكليفاً وإن لم يُرِدْ به حصول الامتثال ، والفائدة فيه عنده اعتقاد أنه مكلف ، ومعنى كونه مكلفاً به كونه مخاطباً به ، والعقوبة فيه على زعمه على ترك هذا الاعتقاد ، لا على الامتثال .
هامش
= وأما الكافر والمنافقون ، فيقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين " . وصححه ابن حبان ( 7355 ) و ( 7356 ) وانظر تمام تخريجه فيه . ( 1 ) انظر تمام الحديث وتخريجه 5 / 183 و 184 . ( 2 ) في ( أ ) : " فيما لا يشق " .