تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
قلت : بلى ، ولكنه فعل ذلك بالحق وللحق ، والطبيب الذي يُؤلِمُ العليل بالفِصَاد والحِمْيَة والأدوية الكريهة لا يُسَمَّى ظالماً ولا مفسداً ، ولا يسمى بشيء من أسماء اللوم البتة ، بل هو مُحسِنٌ مُحِقٌّ ساعٍ في الخير ، مُتوسَّلٌ إليه مُثْنٍ بكل خير عليه ، فكيف بالله العليم الحكيم الرحمن الرحيم ، الذي له المثلُ الأعلى والأسماء الحسنى ، لا مِثْلَ للطف حكمته الخفية ، وغايات تدبيره الحميدة ؟ ! أما قولنا : إنه فعل ذلك بالحق ، فحيث يكون عقوبةً على الذنوب مثل ما دلَّت عليه الآيات وغيرها كما تقدَّم . وأما قولنا : إنه فعله للحق ، فلأنه سبحانه لا يعاقب العبد إلاَّ لحكمةٍ خفيةٍ ، ومصلحةٍ راجحةٍ ، هي تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله ، ولولا ذلك لما اختار العقوبة على العفو ، وقصور العقول عن ذلك لا يَضُرُّ علام الغيوب . وقد صرَّح الغزالي بهذا في " المقصد الأسنى " ( 1 ) في شرح الرحمن الرحيم ، وفي مقدمات " إحياء علوم الدين " في كتاب العلم . وأشار إليه النواوي في " شرح مسلم " ( 2 ) وفي " الأذكار " ( 3 ) في شرح قوله عليه أفضل الصلاة والسلام : " الخير بيديك ، والشر ليس إليك " فإن في أحد تأويلاته أنه ليس بِشَرٍّ بالنظر إلى حكمتك فيه . انتهى . وإنما تلزم الشناعة بنفي الحكمة عن الله باطناً وظاهراً ، ولهذا موضعٌ يُبْسَطُ فيه القول غير هذا ، وقد كشفت الغطاء عن هذا السر قصة موسى والخَضِر ، فكل جاهلٍ بتأويل الخضر يعُدُّه متعدِّياً ، وكل عالمٍ بتأويله يعدُّه مُحسِناً ، فكيف بغلاَّم الغيوب البريء من النقائص والعيوب ؟ ! النوع الرابع عشر : قال الله تعالى في السبع المثاني التي اختارها للصلوات
هامش
( 1 ) ص 62 - 63 . ( 2 ) 2 / 59 . ( 3 ) ص 93 باب ما يقوله بعد تكبيرة الإحرام .