تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قال : ولو كان الله فعل ما فعل العبد من جهةٍ واحدةٍ لا يستحق هذه الأسماء سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ، وقد تقدَّم كلامه ووجهه ، ولذلك قال : إن من عرفه هانَتْ عليه تهويلات القدرية ، وتمويهات الجبرية ، وعِلْمُ ما حققه يجب الجزم به عقلاً ببُطلان هذه العبارة ، كما يأتي في الوجوه النظرية . النوع الثاني عشر : قوله تعالى : { وإنَّ الشياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيَائِهم } [ الأنعام : 121 ] فيلزم أن يكون وحي الشياطين وحياً من الله ، ويلزم من ذلك أحد باطلين : إما أن يكون حقاً ، وإما أن يكون وحي الله منقسماً إلى حقٍّ وباطلٍ . النوع الثالث عشر : قال الله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } [ الروم : 41 ] ، وقالت الملائكة عليهم السلام : { أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفسِدُ فيها } [ البقرة : 30 ] ، فلو كان الفساد الذي من الخلق من الله ما استنكرتِ الملائكة أن يَخْلُقَ من يُفسِدُ ، بل لكان مفسداً في المعنى ، سبحانه عن ذلك وتعالى علواً كبيراً . وإن كان الخصم يقول : إنما لا نسميه بذلك ، لأن الشرع منع منه ، وليس كما زعم لوجهين : أحدهما : أنه لو كان كذلك ، لكان امتناعنا من ذلك بالقهر ، وليس المدح أن يمتنع عبيد الملك من ذمه بما فيه من النقائص خوفاً من عقوبته ، فإن كثيراً من ملوك الأرض الناقصين كذلك ، وإنما المدح أن يكون مُنَزَّهاً حقاً عن النقائص ، ومع ذلك لا ينقصه أن يخلي بعض عبيده يذُمُّه وينقصه كَذِباً منه وزُوراً ، ثم يحلم عنه ولا يُؤاخِذُه أو يعاقبه على ذلك بحق وعدل . الوجه الثاني : أنه لو كان كذلك ، لكان استحقاقه عزَّ وجلَّ لأضداد تلك الأسماء غير صادقٍ ، وهذا أفحشُ من الأول . فإن قلت : أليس الله تعالى خلق المفسدين ، وقدَّر وقوع الفساد ولم يمنع منه مع قدرته ؟