والجبرية احتجوا بقوله ( 1 ) : { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا } [ الأعراف : 188 ] ، { وما تشاؤون } وترك الاستثناء فيها ، فهم أَرَكُّ الفرق الثلاث . وأهل السنة أعدلهم وأوسطهم ، فإنهم جمعوا بين المُطْلَق والمقيَّد ، فقدموا الاستثناء المنطوق المنصوص على الإطلاقين : التخيير الذي تمسَّكت به المعتزلة ، وإطلاق التعجيز الذي تمسكت به الجبرية .
وبذلك يجب العمل عند علماء الأصول في المطلق والمقيد ، وعليه اجتمعت الفرق المختلفة في مسائل لا تُحصى ، حيث لا عصبيَّةَ ولا هوى ، وإنما أُتِيَ أهل السنة من عبارات مبتدعةٍ قبيحةٍ صَدَرَتْ من كثيرٍ من أهل الكلام منهم تُوهِمُ الجبر ، وتُضادُّ الحق .
وكذلك توسَّط أهل السنة في نظر العقول ، فاعترفوا بالاختيار الضروري الفارق بين حركة المختار والمفلوج والمسحوب ، مع الاعتراف بالافتقار إلى الله تعالى في كل طرفة عينٍ ، وعدم الاستقلال كما قال سبحانه : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] فدل على ثبوت الاختيار والافتقار ، والجبرية أنكروا الاختيار الضروري من العقل والدين ، والمعتزلة أنكروا الاحتياج ( 2 ) إلى الله عز وجل في الأفعال بعد تعلق القدرة ، وما يجب عندهم من اللطف الذي يقدر على تركه منه ، وذلك خلاف المعروف بين المسلمين والمعلوم من دين المؤمنين ، فالله المستعان .
وقولهم : لو قَدَرَ عليه ولم يفعله كان قبيحاً ، كقول الفلاسفة : لو قدر على أحسن من هذا العالم ولم يبادر بالجود به ، كان بخيلاً ، تعالى الله عن قول المبطلين عُلُوّاً كبيراً .
وبالجملة : فالمعلوم من العلوم الضرورية العقلية والشرعية أن الأنبياء والكتب الربانية ، وجميع الأديان ، ما وردت بنفي الأفعال عن العباد ، ولا بنفي المشيئة عنهم ، وإنما وردت بتوقف أفعالهم ومشيئتهم على مشيئة الله وتقديره عند
هامش
( 1 ) في ( أ ) : بقولهم ، وهو خطأ .
( 2 ) في ( أ ) : الاحتجاج ، وهو خطأ .