تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
فدلَّ على أن قوله تعالى : { وَما تَعْمَلُونَ } كِنايةٌ عن قوله : { ما تَنْحِتُونَ } خالف بين لفظهما من اتحاد معناهما ، لِمَا في ذلك من حُسْنِ السَّبْك وعدم التَّكرار ، على ما يعلمه أهل اللسان من أئمة البديع والبيان . الوجه الثالث : حديث رفاعة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، على ذلك كما سيأتي الآن . الوجه الرابع : النصُّ على أن أعمالهم مخلوقةٌ لله تعالى يُنافي توبيخهم والاستنكار الشديد لصدوره عنهم . ولذلك قضى جمهور أهل السنة في الخلق الذي تَمَدَّح الرب سبحانه بالتفرد به أنه خلق الأعيان وإنشاؤها ( 1 ) من العدم وتشكيل ( 2 ) الصورة التي ورد الوعيد لمن ضاهاه من العبيد . فكيف إذا ورد ذكر الخلق في مثل هذه الصورة احتمل ( 3 ) مثل هذه الاحتمالات ؟ أليس توجيهه إلى خلق الأعيان المُنْشَأة من العدم أسبق إلى الأذهان ، وأقوم في البرهان ، وأجْدر أن يفسر به القرآن ، وأولى بنص المعاني والبيان ! ويؤيِّدُ ( 4 ) مذهب هذه الطائفة من أهل السنة قول إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - فيما حكى الله سبحانه عنه في غير هذه الآية في سورة العنكبوت : { إنَّمَا تَعبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أوْثاناً وتَخْلُقُون إفْكاً } [ العنكبوت : 17 ] فنسب إليهم الخلق الذي بمعنى الكذب ، وذمَّهم به لما كان من أفعالهم الاختيارية المحرمة عليهم ، وإن كانوا مع ذلك تحت مشيئة الله وعلمه وقضائه وقَدَرِهِ . ولا شك أن لأفعال العباد عند جميع فِرَق أهل السنة جهتين مختلفتين : جهة يدخلها الحسن والقبح ، ومنها تُنْسَبُ الأفعال إلى العباد .
هامش
( 1 ) في ( أ ) و ( ش ) : وأنشاها . ( 2 ) في ( أ ) : أو تشكيل . ( 3 ) في ( ش ) : هذه الآية إلاَّ احتمل . ( 4 ) في ( ش ) : ويؤكد .