غاية التعظيم لجلال الربوبية ، والمعتزلة آمنوا به على وجه يستلزم ما ذم الله به أهل الكتاب من الإيمان ببعض الكتاب ، والكفر ببعض ، وأروا أهل السنة أن الآية حجة لهم ، فأمَّا منطوق الآية ومفهومها السابق إلى الأفهام ، فقد آمن به أهل السنة ، وأما استنباط عدم قدرة الرب منها ، فأبَوْا ذلك إباء المؤمنين ، والحمد لله رب العالمين .
وقد قدَّمنا في مسألة الإرادة أن الإرادة تنقسم إلى أقسام ، وأنها ( 1 ) لا تعلق حين تكون حقيقةً ( 2 ) إلاَّ بفعل الله تعالى ، وأنها حين تعدَّى إلى مفعولٍ ثانٍ تُعَدَّى بحروف الجر ، وتختلف حينئذ معانيها ، وأنها حين تُعلق بفعل الغير تكون بمعنى المحبة والرضا ، وتُعَدَّى حينئذ كثيراً باللام مثل هذه الآية ، كما تقول : أُحبُّ لزيد كذا ، ولا أرضاه له ، وذكرنا أن المحبة تلازم الأمر والطلب والثناء والثواب وأنها لا تعلق بقبيح ، وأن الإرادة قد ترد بمعناها ، فيكون حكمها واحداً .
فينبغي للسُّني معرفة هذا ومراعاته ، ولا يمكن أهل البدع من التشويش والتشنيع بما لا يحتاجه ، ولا ورد به سمعٌ من العبارات المبتدعة التي لَهِجَ بها كثير من المتكلمين والمتكلفين ، فإن الآية نصٌّ على مذهب أهل السنة في أن إرادة الله لا تعلق بأفعال المكلفين ، لا خيرها ولا شرها ، بل تعلق بأفعاله سبحانه ، ولكنه سبحانه - لبالغ حكمته - قد يريد عقوبة الظالمين بتسليط بعضهم على بعض ، أو عقوبة بعض العصاة من المسلمين بتسليط بعض الكافرين ، ولو شاء لأصلح بينهم وكانوا بنعمته إخواناً .
والمعتزلة ظنت أن الإيمان بالآية يستلزم عدم قدرة الرب تعالى عن هذا ، والنصوص كافيةٌ في الرد عليهم ، قال الله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( 166 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا } [ آل عمران : 166 - 167 ] .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فإنها .
( 2 ) في ( ش ) : حين حقيقة .