قلت : والذي يوضح الأول قوله تعالى : { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [ الشورى : 14 ] بعد قوله : { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } [ الشورى : 13 ] وفي اختلاف بني إسرائيل آيةٌ أصرح منها .
وأيضاً فلن يجتمع الناس مع بقاء كثرتهم واختلاف فِطَنِهم وطبائعهم وإسلامهم على كُفرٍ ولا إسلام .
وقد حكى الله اختلاف الملائكة في قوله تعالى : { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ } [ ص : 69 ] .
وجاء في الحديث الصحيح : اختلافهم في الذي قتل مئة نفسٍ ثم تاب ( 1 ) .
واختلف الخَضِرُ وموسى ( 2 ) ، وسليمان وداود ( 3 ) ، وآدم وموسى ( 4 ) ، بل قال الله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] وأمثالها .
فدلَّ على أن الاختلاف من لوازم الاختيار فيما يوجب الاجتماع عادةً ، ولا يقع غير ذلك عادةً ، كما لا يجتمعون على مأكولٍ واحد دون سائر الأطعمة ، ولا على اختيار بلد ولا صناعة إلاَّ أن يشاء الله ، لكن قد أخبر الله أنه لا يُريدُ جمعهم على الكُفْر ، وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى : { وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [ الزخرف : 33 ] . الآية .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه في 1 / 219 .
( 2 ) تقدم تخريجه في 1 / 218 .
( 3 ) يشير إلى قوله تعالى : { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } .
( 4 ) تقدم تخريجه في 1 / 218 .