وأما الجهة ، فإن الحادث بنفسه إن وصفناه بالوجوب والإمكان لم نجعل جهتهما واحدة في ذلك ، بل نصفه بالإمكان بالنظر إلى ذاته واختيار فاعله ، وبالوجوب بالنظر إلى تعلق الواجب به تعلُّقاً غير مؤثِّر في وجوده .
وقد أجمعت المعتزلة مع الأمة على جواز التكليف بالممتنع لغيره كطلب الإيمان ممن عَلِمَ الله أنه لا يُؤْمِنُ .
وكذلك صحَّ الأمر والنهي ، والمدح والذم على ذلك ، وهو بينَ العقلاء شائعٌ مستحسنٌ ضروري ، من أنكره لم يُراجع إلاَّ بالفعل ، فيضرب ضرباً شديداً ، فإن أحسَّ في نفسه وِجْدان اللوم للضارب ، فقد اعترف ، وهذا كما قال تعالى : { أفَسِحْرٌ هذا } [ الطور : 15 ] ، وقال تعالى : { هذه النارُ الَّتي كُنتُم بها تُكَذِّبونَ } [ الطور : 14 ] .
فإن قيل : إن الوجوب المختصَّ بجهة ، وجوبٌ خاص ، والخاص يستلزم العام ، فإن وجود الإنسان يستلزم وجود الحيوان بخلاف العكس ، فالجواب من وجهين .
الأول : أن هذا خيالٌ باطل ، ضلَّ بسبب الغلط فيه خلقٌ كثير ، وبَنَوْا عليه من البِدَعِ ما لا يُحصى .
وبيانه : أن الجنس العام مجرَّد لفظٍ لا وجود له في حال عمومه البتة ، ووجوده عاماً مع عدم جميع أنواعه مُحالٌ ، وأهل المنطق يُسمُّونه العرض العام ، والوصف العرضي ، والاشتراك فيه اشتراكٌ في مجرد عبارة لا سوى ، ولذلك قال المحققون : إن ذوات المخلوقات لم تُشارك ذات الرب في شيءٍ حقيقي ، ثم تميزت ذات الرب بعد المشاركة .
وقالت المعتزلة : إن العباد قد شاركوا الربَّ عزَّ وجلَّ في الذاتية ، أي : في كونهم أشياء ، وهو سبحانه شيءٌ ، ومن ها هنا عَطَّل المُعَطِّلَةُ .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 194
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص١٩٤