تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ولا خفاء في أن كل هذه الأمور ضرورية لا اختيار للعبد فيها إلاَّ ما يخالف فيه بعض المعتزلة في العلوم النظرية ، وفي الظنون ، فأمَّا العلوم ( 1 ) النظرية ، فإنها متولِّدة عن العلوم الضرورية بالإجماع ، لكن من النُّظار من يقول : إن النظريات عند استحضار مقدماتها ضروريات ، وهو الصحيح ، لأنه لا يمكن الناظر اختيار الجهل حينئذٍ ، فدلَّ على أن اختياره إنما هو في النظر . والتحقيق أن المخالف إنما يُسمِّيها اختيارية لتوقفها على الاختيار في النظر ، ولا مُشاحَّة في العبارة ، فالظاهر أن الخلاف لفظي ، وأما الظن ، فالصحيح أنه ضروريٌّ من فعل الله تعالى ، أما الظن القبيح عقلاً وشرعاً الذي ليس براجح ، ولا يُسمى ظنّاً إلاَّ مجازاً باشتراك ، فإنه من فعل العبد ، وفيه يقول الله تعالى ( 2 ) : { إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ } وذلك في صورتين . أحدهما : ما خالف الأدلة القاطعة كظن المشركين ربوبية غير الله . وثانيهما : ما خالف القرائن الصحيحة ، أو كان عن قرينة باطلة ، كظنِّ الفُجَّار في الأبرار أنهم مثلهم في الاجتراء في ( 3 ) الفواحش والخبائث . وأما سائر الظنون الراجحة الصادرة عن القرائن الصحيحة الضرورية ، فإنها فعل الله كما هو اختيار شيخ الاعتزال أبي الحسين البصري وأصحابه . والدليل على ذلك ، عدم القدرة على دفعه ، وهي الحجة في كل ما تنسِبُه إلى الله تعالى ، وخصوصاً حين تكون القرينة ضروريةً كمشاهدة الغَيْمِ الرَّطْبِ الثقيل والبرق فجأةً ، وسماع دَوِيِّ الرَّعْدِ والرياح التي يُرْسِلُها الله بُشرى بين يدي رحمته في أوقات المطر .
هامش
( 1 ) قوله : " الضرورية وفي الظنون فأما العلوم " ساقط من ( أ ) . ( 2 ) من قوله : " فإنه " إلى هنا ساقط من ( أ ) و ( ف ) . ( 3 ) في ( أ ) : عن .