لم يرِدْ نصٌّ بتحريم ذلك ، لم يوردها موهمةً لقبيح ، وبَيَّن أن الله تعالى يكره المعاصي ، ولا يريدها إرادة الأمير والطلب والمحبة ، وإنما يُريدُ تقديرها لحكمةٍ بالغة استأثر بها ، فهو يريدُها من ذلك الوجه الحسن فقط ، ويكرهها من الوجه الآخر الذي قَبُحت منه ، كما يُريدُ اليمين الواجبة شرعاً وإن كان الحالف فاجراً فيها مع قُبحها ، بل مع كونها من أكبر الكبائر ، لكن إرادتها من الوجه الذي وَجَبَتْ وشُرعت له ، لا من الوجه الذي قَبُحت له ، وكذلك كل قبيح مقدر كما مر تقريره .
والسر في ذلك أن المرادات كلها قسمان : خيرٌ وشر ، فالخير مُرادٌ لنفسه ، والشر مُرادٌ لغيره ، والخير المراد لنفسه هو الأصل في المرادات كلها ، ولذلك لم يصح أن يكون الشر مراداً حتى ترجع إرادته إلى إرادة الخير ، فكان الشر غير مرادٍ كألم الحجامة يُراُد من أجل العافية .
ولذلك كان الخير والطاعات هي الغالبة ، وكانت الشرورُ والمعاصي هي النادرة ، وذلك أنا ننظر إلى جميع المخلوقات من الملائكة ، والروح ، وجميع أجناس الحيوانات والناميات ، ويخلق ما لا تعلمون ، ولا عبرة بكثرة العصاة في الجن والإنس لأنهم أقل المخلوقات كما بينتُه في " الإجادة " وغيرها .
وإذا تقرَّر ذلك لم يحسن أن تُطلق العبارة بأن الله سبحانه أرادَ المعاصي ، لأنه يوهم أنه تعالى أرادها لكونها معاصي إرادة محبةٍ ورضا وأمر ، وإنما يقول : لو شاء لم تكن المعاصي لما له في تقديرها من الحكمة ، وما أحسن البيت :
فالخيرُ بالذات مَقْصُودٌ وشرهُمُ . . . قضى ولكن لا مِنْ غيرهم شَرٌّ ( 1 )
بل قد مرَّ تصريح أئمة الأشعرية بأن إرادة الله تعالى لأفعال العباد حيث يطلق مجازٌ ، وأن ظاهرها خطأ ، وتأويلها إرادة أفعاله تعالى التي تعلق بأفعال
هامش
( 1 ) ورد البيت في ( أ ) و ( ف ) :
فالذات مقصود وشرهم قضى . . . ولكن لأمرٍ غير شرهم . .