تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
قاضياً من القضاة استدلَّ بقوله عز وجل : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ } [ الكهف : 110 ] على أنه تعالى مرئيٌّ ، فاعترض عليه ملاَّح فقال : إنه ليس اللقاء بمعنى الرؤية ، لأن أحدهما يُستعمل حيث لا يستعمل الآخر ، بل يثبت أحدهما وينفي الآخر ، ولا يتناقض الكلام ، وقال : فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية ، لم يختلف الحال فيه بالمؤمنين والمنافقين ، وقد قال الله عز وجل : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } [ التوبة : 77 ] ، فيجب أن يدل على أن المنافقين يرونه . فقال له القاضي : من أين لك هذا ؟ فقال : من رجلٍ بالبصرة يقال له أبو علي بن عبد الوهاب الجُبَّائي . فقال : لعن الله ذلك الرجل ، فقد بثَّ الاعتزال في الدنيا ، حتى سلَّط الملاَّحين على القضاة . ومما يتعلَّقون به : قوله تعالى : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [ المطففين : 15 ] قالوا : بيَّن الله تعالى أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن رؤية الله تعالى ، وهذا يدل على أن المؤمنين لا يُحجبون ، وفي ذلك ما يقوله . والأصل في الجواب عن ذلك : أن هذا استدلالٌ بدليل الخطاب ، وذلك لا يُعتمدُ في فروع الفقه ، فكيف في أصول الدين ؟ وبعد : فليس في ظاهر الآية ما يدلُّ علي أن الكفار يوم القيامة يحجبون عن رؤية الله تعالى ، لأنه تعالى ( 1 ) قال : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } ، ولم يقل : عن رؤية ( 2 ) ربهم . ومتى قالوا : المرادُ بقوله : عن ربهم : عن رؤية ربهم ، قلنا : ليس كذلك ، بل المراد : عن ثواب ربهم . لأنكم إذا عدلتم عن الظاهر ، فلستم بالتأويل أولى منا فنحمله على وجه يُوافِقُ دلالة العقل . ومما يتعلقون به : إجماع الصحابة . قالوا : أتَّفقت الصحابة على أنه تعالى يُرى ، وإجماعهم حجة ، فيجب القضاء بأنه تعالى مرئيٌّ .
هامش
( 1 ) قوله : " لأنه تعالى " لم يرد في ( ب ) . ( 2 ) من قوله : " الله تعالى " إلى هنا لم يرد في ( ج ) .