تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وقال بعض أهل العلمِ : يُقدَّمُ النَّاسخُ وإن كان ظَنِّيَّا على المنسوخ ، وإن كان قطعياً ، واحتجَّ على ذلك بأنَّ المنسوخَ من القطعي هو ( 1 ) أمرٌ مظنونٌ ، وهو دوامُ العمل به واستمرارُه ، والدَّليل على أنَّ دوامَهُ مظنونٌ بتجويزُ النَّسْخِ عليْه ، وتحريمُ العملِ به على العالِمِ حتَّى يطلُبَ النَّاسِخَ ، فلا يجِدُهُ ، فلو كان الدَّوام معلوماً ، لاستحال مع العِلْمِ به تجويزُ النَّسخِ ، ولَكَان طَلَبُ النَّاسِخ عَبَثاً ، وإنَّما المقطوعُ بهِ ثبوتُه فيما مضى لم يُنْسَخْ ، فيحتاجُ إلى ناسخٍ قاطعٍ . وبعدُ ، فليسَ يَصْلُحُ أن يكونَ الأمرُ المنسوخُ بالناسِخِ القطعيِّ مقطوعاً به ؛ لأنَّه لو كان كذلك ، لأدَّى إلى تعارُضِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ ، وهو محالٌ ، فإذا ثبتَ أنَّ المنسوخَ هو الدوامُ والاستمرارُ ، وأنَّ ذلِكَ القَدْرَ مظنونٌ في القطعيِّ وغيره ، وثبتَ أنَّ النَّسْخَ عليه مُجَوَّز مُحتَملٌ قَبْلَ ( 2 ) ورودِ الناسِخِ الظَّنِّيَ ، فلا شَكَّ أنَّ النَّاسِخ الظَّنِّيِّ إذا ورد ، اقتضى رُجحان النَسخِ ومرجوحية عَدَمِ النَّسْخِ ، فكيف يقال في المرجوحِ الَّذي ليس بِمظْنونِ الثُّبوتِ : إِنَّهُ مقطوعٌ ( 3 ) بثبوتهِ ، وليس براجح ولا مساوٍ ، بل مرجوحٌ موهومٌ ، وبعد ثبوت كونهِ مرجوحاً موهوماً ، كيف يَصِحُّ في النظَرِ التَمَسُّكُ به ، وتركُ ناسخِهِ المظنون الثبوتِ الرَّاجِحِ الصِّحَّةِ ، ولو صَحَّ قولُ القائل : إنَّ المنسوخَ القطعيَّ معلومُ الثُّبوتِ ، وإنَّ الظنِّيِّ لا يعارِضُ العلم ، لكانَ يَجِبُ أنْ يقطع على كَذِبِ مَنْ روى النَّاسِخَ ، لأن مَنْ أخبر بأنَّ المعلومَ الثبوتِ غير ثابتٍ ، وَجَب القطعُ بتكذيبِهِ ، وهذا ما لم يَقُلْ به قائلٌ .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " وهو " . ( 2 ) سقطت من ( ش ) . ( 3 ) في ( ش ) : " إنَّه ليس مقطوع " .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 26 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )