«فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم؛ أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، وقد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون؟ {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}»[187].
ثم خاطبت الخليفة خصوصا بآيات الميراث «أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا! أفعلي عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ}، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}، وقال: {وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ}، وقال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، وقال:{إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}».
«وزعمتم أن لا حظوة لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا؟! أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: أن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم الله، والزعيم محمد صلى الله عليه وآله، والموعد القيامة» فهي عليها السلام قد أوردت آيات الميراث التي تثبت بعمومها أو اطلاقها أن حكم الميراث شامل للأنبياء ولغيرهم، في مثل يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فهذا الخطاب كما يشمل عامة الناس يشمل النبي صلى الله عليه وآله، وهكذا قوله تعالى {وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ} فهو يشمل النبي وغيره، وقد يقال بأن الحديث الذي نقله الخليفة مخصص لآيات القرآن فيمكن أن يأتي حكم عام في القرآن وتأتي السنة لكي تخصصه، فليكن هذا الحديث مخصصا لآيات القرآن في موضوع الأنبياء بأن يكون كل أحد يرث من وارثه إلا الأنبياء فإنهم لا يرثون ولا يورثون.. فردت الزهراء عليها السلام على هذا الاحتمال بأن أوردت آيات القرآن الخاصة بميراث الأنبياء أنفسهم خاصة مما ينفي هذا التوجيه بالكامل فاستشهدت بآية ميراث سليمان من داود وميراث يحيى من زكريا! فهذه الآيات تكذب ما قيل من أن الأنبياء هذا شأنهم أن لا يرث بعضهم بعضا! ولم يقل الحديث المنسوب للنبي محمد أنا هكذا وإنما قال بحسب ذلك الحديث نحن معاشر الأنبياء وهذا ما تكذبه آيات القرآن.
وبالرغم من أن بعض المدافعين عن (خطأ) الخلفاء حاولوا تفسير هذه الآيات بأن المقصود منها هو وراثة العلم والنبوة دون المال والمتاع إلا أنه دفاع هزيل فهو إخراج اللفظ عن معناه الحقيقي من دون مبرر ولو فتح الباب لهذا لضاعت الأحاديث ومعانيها بل القرآن وأحكامه إذ لا يحمل اللفظ على غير معناه الحقيقي إلا لعدم إمكان ذلك لسبب من الأسباب وليس منها تنزيه الخليفة!! على أن هذا الحمل في نفسه غير ممكن فمتى كانت النبوة والعلم بالوراثة؟ لو كانت كذلك لورث العلم والنبوة ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه، وابن نوح الذي هو (عمل غير صالح)، وهكذا! إن النبوة اختيار الهي خاص لا يحصل لشخص لأن أباه فلان فلم يكن والد سيد الأنبياء نبيا، ولا العلم يحصل لشخص لأن والده كان عالما! فلا معنى لأن يرث يحيى النبوة او العلم من أبيه زكريا أو سليمان من داود!
هامش
187 الخوئيني، اسماعيل الأنصاري: الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء (س) ١٣/ ١٩٨