«ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا والدين؟! ألا ذلك هو الخسران المبين! وما الذي نقموا من أبي الحسن عليه السلام؟! نقموا والله منه نكير سيفه، وقلة مبالاته[268]بحتفه وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله لاعتلقه، ثم لسار بهم سيرا سجحا،والله لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا، تطفح ضفته، لأصدرهم بطانا قد خثر بهم الري غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردع سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
فهلم فاسمع، فما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب بعد الحادث، فما بالهم بأي سند استندوا، أم بأية عروة تمسكوا؟ {لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ}و {بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا}.
استبدلوا الذنابى بالقوادم، والحرون بالقاحم، والعجز بالكاهل، فتعسا لقوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، {أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ}، {أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ}؟.
لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا وذعافا ممقرا، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون، ثم طيبوا بعد ذلك عن أنفسكم نفسا، ثم اطمئنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم وهرج دائم شامل واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم وقد عميت عليكم الأنباء {أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ}».
ونعيد إلى الذكر ما سبق قوله من الميزات الموجودة في خطبتها المعروفة في المسجد من اقتباساتها القرآنية فهي هنا حاضرة، والنسيج هو نفس النسيج والأسلوب هو الأسلوب. لكن الإضافة فيها هو تنبؤ الزهراء عليها السلام بمستقبل الأمة ورؤيتها للأزمات التي ستقع فيها والمشاكل التي ستتورط فيها. وباختصار شديد سنشير إلى نقاط في خطبتها هذه:
1) في جوابها على سؤال كيف أصبحت من علتك؟ يظهر أن توقيت الزيارة كان بعد إجهاض الزهراء جنينها، وهذا أحد القرائن على حصول تلك الحادثة. فإنه لم تكن هناك علة أخرى في فاطمة! وجوابها بدل أن يكون التشكي من الألم البدني أو النزيف كان في اتجاه أوسع يتناول حال المسلمين على أثر الانقلاب على أمير المؤمنين عليه السلام، فقالت أصبحت عائفة (زاهدة) في دنياكن، قالية (مبغضة) لرجالكن، لا لجهة شخصية وإنما لكون مواقفهم مواقف خذولة، وآراءهم آراء فاسدة.
هامش
268 الفقرة نقلها الطبرسي في كتابه الاحتجاج وهي أكثر استقامة مما نقله في الأمالي.