بالرغم من أنّه اطّلع على أنّ مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة قد قتلا « 1 » ، بعد هذا اطّلع على أنّ قيس بن مسهّر الصيداوي قد قتل من قِبَل عبيد الله بن زياد « 2 » ، مع هذا لم يغيّر هذا الشعار ، بل بقي يؤكّد أنّه مدعوٌّ من قِبَل أهل الكوفة ، ولا بدّ له أن يجيب هذه الدعوة ، حتّى التقى مع الحرّ بن يزيد الرياحي .
جاءه الطرمّاح قال له : « الحقْ بالجبل الفلاني « 3 » ، وأنا أجمع لك عشرين ألف [ شخص ] من العشيرة الفلانيّة « 4 » يلتفّون حولك ، والله يغنيك بذلك عن الكوفة » ، قال ( عليه السلام ) : « بيننا وبين القوم عهدٌ ، ولا بدّ لي أن أسير إليهم » « 5 » .
بعد كلّ هذه الدلائل من أهل الكوفة على نكث العهد ، مع هذا بقي الإمام الحسين يواصل تأكيده على هذا الشعار .
إذاً ، القصّة في الواقع لم تكن قصّة أن يقتنع الحسين ، ولم يكن تحرّكه ( عليه السلام ) بينه وبين نفسه [ نتيجةً ] لردّ فعلٍ لطلب قواعده الشعبيّة في الكوفة ؛ لأنّه اطّلع في أثناء الطريق على أنّ هذه القواعد الشعبيّة في الكوفة قد خانته ، قد قتلت رسوله ، قد قتلت ثقته من أهل بيته ، ومع هذا كان يواصل السفر إليها .
كان هذا الشعار شعاراً منسجماً مع الأخلاقيّة التي تعيشها الامّة الإسلاميّة ، وكان لا بدّ له أن يطرح هذا الشعار لكي يسبغ على العمليّة طابع المشروعيّة في
هامش
( 1 ) ففي : الأخبار الطوال : 247 أنّه ( عليه السلام ) تلقّى خبر مقتل مسلم وهو في ( زرود ) ، ثمّ أكمل مسيره ؛ وفي : تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 397 : 5 أنّه تلقّى خبر مقتل مسلم وهانئ في الثعلبيّة ، ثمّ أكمل المسير .
( 2 ) أنساب الأشراف 169 : 3 ؛ الكامل في التاريخ 50 : 4 .
( 3 ) هو جبلُ « أجأ » ، وهو و « سلمى » جبلا طيء ( معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع 109 : 1 ؛ معجم البلدان 94 : 1 ) .
( 4 ) وهي قبيلة طيء .
( 5 ) تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 406 : 5 ؛ تجارب الأمم 66 : 2 ؛ الكامل في التاريخ 50 : 4 .