وأوضح الإمام بكلّ جلاء نظريّة الإسلام الإنسانيّة التي تترفّع عن التعصّب الذميم مهما كان لونه ، فقال لواليه يوصيه : « فإنّهم « 1 » صنفان : إمّا أخٌ لك في الدين ، وإمّا نظير لك في الخلق » « 2 » .
فما أروعها كلمة أراد بها ( عليه السلام ) أن يصحّح مفهوم الناس عن الدولة الإسلاميّة ؛ فليست الدولة الإسلاميّة في ضوء هذه الكلمة أداة استعباد لغير المسلمين وعداوة لهم ، بل هي رعاية للُاخوّة الدينيّة الخاصّة وللُاخوّة الإنسانيّة العامّة .
وقد بلغ حرص الإسلام على هذه النظرة الإنسانيّة مبلغاً رائعاً لا نظير له ؛ حتّى إنّ عليّاً - وهو رئيس الدولة الإسلاميّة - وجد درعاً له عند مسيحي ، فلم يكن له طريقٌ إلى أخذه منه إلّا بالوقوف معه بين يدي القضاء .
وهكذا وقف رئيس الدولة الإسلاميّة مع المسيحي جنباً إلى جنب أمام القاضي ، وقال الإمام : « إنّها درعي ، ولم أبع ولم أهب » ، فقال القاضي للرجل المسيحي : « ما تقول في ما يقول أمير المؤمنين ؟ » ، فقال المسيحي : « ما الدرع إلّا درعي » . وهنا التفت القاضي إلى الإمام يسأله هل من بيّنة تشهد أنّ هذه الدرع لك ، فضحك عليّ وقال : « ما لي بيّنة » ، فقضى القاضي بالدرع للرجل المسيحي ، فأخذها ومشى .
إلّا أنّه لم يخطُ خطوات قلائل حتّى عاد يقول : « أمّا أنا ، فأشهد أنّ هذه أحكام أنبياء ، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضٍ يقضي عليه ؟ ! » ، ثمّ قال : « الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين » ، وأسلم وحسن إسلامه « 3 » .
هامش
( 1 ) في البحث المطبوع : « الناس » ، وما أثبتناه من المصدر .
( 2 ) نهج البلاغة : 427 ، الرسالة 53 .
( 3 ) الغارات 47 : 1 ؛ البداية والنهاية 4 : 8 ؛ شذرات الذهب 320 : 1 ؛ مناقب آل أبي طالب 105 : 2 ؛ بحار الأنوار 56 : 41 .