والجاه العريض ، ولا أداةً للقهر والغلبة والاستيلاء ، ولا وسيلةً من وسائل التخمة والدعة وإشباع الحفدة والأنصار ، ولا جهازاً يتملّق لطائفة أو تستأثر به فئةٌ على حساب الآخرين ، وإنّما هو حكومة الحقّ والعدل والتطبيق النزيه لأحكام الله على العباد ، فإذا فقد ذلك كان صفراً في حساب عليٍّ والإسلام .
ولذلك قالها الإمام صريحة مدويّة في وجوه أولئك الذين كانوا يزعمون أنّهم ينصحونه بشيء من اللين والانحراف ، قالها لتخلد في تاريخ الإسلام كلمات مشرقةً بالنور ، عامرةً بأسمى مثل العدالة : « [ أَتأمرونّي ] أن أطلب النصر بالجور في من ولّيت عليه ، والله [ لا ] أطور به ما سمر سمير ، وما أمَّ نجمٌ في السماء نجماً » « 1 » ؛ ذلك لأنّ حكومة الإسلام هي حكومة العدل والحقّ والقسط ، فإذا قامت على أساسٍ من الجور فقدت معناها الإسلامي ، الذي هو كلّ قيمتها في نظر عليّ العظيم .
وحدّد ( عليه السلام ) مسؤوليّته تجاه رعيّته ومدى مشاركته لهم في جشوبة العيش ومكاره الدهر ، فقال : « هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل « 2 » :
وحسبك داءً « 3 » أن تبيت ببطنةٍ
وحولك أكبادٌ تحنُّ إلى القدّ
أَأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش » « 4 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 183 ، الخطبة 126 .
( 2 ) البيت منسوبٌ إلى حاتم بن عبد الله الطائي ، فراجع : شرح نهج البلاغة 288 : 16 .
( 3 ) في البحث المطبوع : « عاراً » وفقاً لما جاء في : شرح نهج البلاغة 286 : 16 ، وما أثبتناه من المصدر ، ومن : ربيع الأبرار ونصوص الأخيار 242 : 3 و : التذكرة الحمدونيّة 99 : 1 .
( 4 ) نهج البلاغة : 417 - 418 ، الرسالة 45 .