استدعاء وجوب ذي المقدّمة وجوب المقدّمة وعدمه
الجهة الثامنة : في تحقيق أصل المطلب ، وهو : أنّ وجوب ذي المقدّمة هل يستدعي وجوب المقدّمة ، أو لا ؟
فنقول : إنّ الحكم بمعنى الجعل والإنشاء الثابت على ذي المقدّمة له مبدءان :
الشوق والملاك . أمّا في مرحلة الملاك ، فلا ينبغي الخلاف في مسألة ثبوت الملازمة بين ذي المقدّمة والمقدّمة فيه ، بداهة : أنّه إن أريد كون ثبوت الملاك النفسيّ في ذي المقدّمة مستلزماً لثبوت الملاك النفسيّ في المقدّمة ، فهو واضح البطلان ، وإن أريد كونه مستلزماً لثبوت الملاك الغيريّ في المقدّمة ، فهو بديهيّ الصحّة ، فيجب أن يرجع الخلاف والنزاع : إمّا إلى مرحلة الجعل والإنشاء ، أو إلى مرحلة الشوق والبغض ، فنقول :
أمّا مرحلة الجعل والإنشاء ، فدعوى الملازمة فيها باطلة ، وتوضيح ذلك : أنّ الملازمة بين شيئين : إمّا أن يقصد بها : كون أحدهما مستتبعاً للآخر قهراً وبلا اختيار ، أو يقصد بها : أنّ أحدهما يوجد المناسبة والداعي في نفس الفاعل بالاختيار لإيجاد الشيء الثاني .
فإن قصد في المقام الأوّل ، فهو واضح البطلان ، فإنّ كلا الجعلين والإنشاءين من الأفعال الاختياريّة للمولى ، تصدر عن قصد وإرادة ، والملازمة بهذا المعنى غير معقولة بين فعلين اختياريّين ، وتكون خلف كون اللازم فعلًا اختياريّاً صادراً عن قصد وإرادة ، وإن قصد الثاني ، بمعنى : أنّ وجوب ذي المقدّمة يستوجب مناسبة وداعياً في نفس المولى لجعل الوجوب وإنشائه على المقدّمة ، فهذا أيضاً باطل ، فإنّ جعل الحكم وإنشاءه عادةً يكون له أحد داعيين :
الأوّل : داعي إبراز ما في نفس الجاعل من شوق وبغض .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 560
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٦٠