الرابع - وهو أجود ما أفيد لإثبات الاستحالة - : ما ذكره المحقّق النائينيّ رحمه الله من لزوم الدور ، لكن لا بلحاظ متعلّق الأمر كما في الوجه الأوّل ، بل بلحاظ متعلّق المتعلّق المصطلح عليه عند المحقّق النائينيّ رحمه الله بالموضوع . وتوضيح ذلك ببيان مقدّمتين :
المقدّمة الأولى : أنّ الأحكام الشرعيّة لها متعلّقات وهي الأفعال التي يكون الحكم الشرعيّ مقتضياً لإيجادها ، أو الزجر عنها ، كالصلاة في « صلِّ » ، وشرب الخمر في « لا تشرب الخمر » ، ومتعلّق المتعلّقات وهي الأشياء الخارجيّة التي يتعلّق بها المتعلّق الأوّليّ للحكم ، كالخمر في « لا تشرب الخمر » ، وكالوقت والقبلة في « صلِّ في الوقت ، وإلى القبلة » وكالعقد في « يجب الوفاء بالعقد » وغير ذلك ، وهذا ما يسمّى بالموضوع . والموضوع يؤخذ دائماً شرطاً للحكم وقيداً فيه ، وحيث إنّ الحكم يؤخذ بنحو القضيّة الحقيقيّة ، وشرط القضيّة الحقيقيّة يؤخذ مفروض الوجود ، فالموضوع دائماً يرجع إلى الشرط المفروض الوجود ، فمعنى « يحرم شرب الخمر » : إذا وجد خمر حرم شربه ، ومعنى « صلِّ في الوقت ، وإلى القبلة » : إذا وجد الوقت والقبلة ، صلِّ فيه وإليها ، ومعنى « أوفوا بالعقود » : إذا وجد العقد وجب الوفاء به ، وهكذا . ونتيجة ذلك : أنّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة الموضوع ؛ لأنّ المشروط عدم عند عدم شرطه ، والمفروض : أنّ هذه الموضوعات اخذت شرائط ، وفرض وجودها عند الحكم ، ففعليّة الحكم تتبع فعليّتها ووجودها خارجاً ، فوجود الموضوع سابق رتبة على فعليّة الحكم ، هذا بلحاظ عالم الفعليّة .
وأمّا بلحاظ عالم الجعل ، فحيث إنّ الحاكم أناط حكمه بفرض هذه الشرائط والموضوعات ، قلنا : إنّ هذا وإن لم يكن معناه وجود تلك الموضوعات خارجاً ، لكن الحاكم يرى في أفق هذا الفرض بالنظر الطريقيّ أنّه عين المفروض ، فيرى الحكم متأخّراً عن وجود المفروض خارجاً . فهنا سبقان رتبيّان : سبق رتبيّ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 154
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٥٤