تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
واعترض السيّدالاستاذ - دامت بركاته - علىذلك بأنّ هذا مبنيّعلى مسلك‌المشهور : من أنّ الوضع عبارة عن الاعتبار والتنزيل ، إذن فكأنّه افني في المعنى . وأمّا إذا كان الوضع عبارة عن التعهّد ، فقد جعل اللفظ علامة على إرادة المعنى ، وليس بابه باب الفناء « 1 » . والتحقيق : أنّ كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه الله غير مربوط بباب الوضع ، بل مربوط بتشخيص الاستعمال ؛ فإنّ هناك بابين : الأوّل : باب الوضع ، ونتكلّم فيه فيما يضعه الواضع لتكوّن الدلالة ، والثاني : باب الاستعمال ، فيتكلّم فيه في أنّه بعد تماميّة الوضع كيف يستعمل المستعمل ؟ فهل الاستعمال عبارة عن المرآتيّة والفناء في ذي المرآة ، أو بابه باب العلامة وذي العلامة ، من قبيل : العمود الذي يوضع على رأس الفرسخ ؟ وكلّ واحدٍ من الاحتمالين معقول على جميع المباني في باب الوضع ، ولا برهان على تعيّن المرآتيّة كما لا برهان على تعيّن العلاميّة . ومن هنا يبطل كلام صاحب الكفاية ، فإنّ قوله : إنّ اللفظ إذا اندكّ في جنب معنىً لا يعقل اندكاكه في نفس الوقت في جنب معنىً آخر مبنيّ على المرآتيّة والفناء ، بينما يمكن للمستعمل أن يتّبع طريقة الاستعمال العلاميّ دون الاستعمال المرآتيّ ، فيتعقّل عندئذٍ استعمال اللفظ في معنيين ، سواء فرضنا أنّ الوضع عبارة عن الاعتبار والتنزيل أو فرضنا أنّه عبارة عن التعهّد « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع المحاضرات ، ج 1 ، ص 207 - 208 بحسب طبعة مطبعة النجف ( 2 ) جعل السيّد الخوئيّ رحمه الله كون الاستعمال إفناءً للّفظ في المعنى أو مجرّد إيجاد العلامة تابعاً لكون الوضع تنزيلًا للّفظ منزلة المعنى أو تعهّداً والتزاماً نفسانيّاً ، في حين أنّه - لا يوجد أيّ مبرّر لفرض هذه التبعيّة . توضيح ذلك : أنّه إذا فرضنا أنّ الوضع عبارة عن التنزيل ، أو اعتبار اللفظ معنىً ونحو ذلك ، فالواضع شخص والمستعمل شخص آخر ، وعمل الواضع شيء وهو تنزيل اللفظ منزلة المعنى أو اعتباره معنىً ، وعمل المستعمل شيء آخر وهو : إمّا استعمال اللفظ في المعنى على شكل مجرّد لحاظ العلاميّة ، أو استعماله فيه على شكل اللحاظ المرآتيّ والفناء . وعمل الواضع من التنزيل أو الاعتبار لا يعيّن أحد الأمرين على المستعمل ؛ إذ لا نكتة لهذا التعيين . وإذا فرضنا أنّ الوضع عبارة عن التعهّد فالواضع والمستعمل واحد . والاستعمال - في الحقيقة - يكون وفاءً بذاك التعهّد ، فعندئذٍ لو فرض أنّ التعهّد تعلّق بالجامع بين لحاظ العلاميّة واللحاظ المرآتيّ أو الفنائيّ ، أي : أنّه تعهّد مثلًا بأ نّه متى ما أتى باللفظ قصد المعنى بأحد الشكلين ، فهذا التعهّد لا يعيّن شكل الوفاء به لدى الاستعمال ، فهو لدى الاستعمال بإمكانه أن يلحظ اللفظ كعلامةٍ ، وبإمكانه أن يحلظه لحاظاً فنائيّاً ومرآتيّاً للمعنى ، ولو فرض أنّ التعهّد تعلّق بأحد الأمرين بالخصوص ، أي : أنّه تعهّد مثلًا بأ نّه متى ما أتى باللفظ لاحظه لحاظاً فنائيّاً في ذاك المعنى ، أو تعهّد بأ نّه متى ما أتى باللفظ استعمله استعمال العلامة لذاك المعنى ، فهنا يجب أن يكون الاستعمال تبعاً للوضع ؛ لأنّ الوضع هو التعهّد ، والاستعمال وفاءٌ بذلك التعهّد ، ولكن عندئذٍ لا يوجد دليل على أنّه يجب أن يكون التعهّد تعهّداً باللحاظ العلاميّ لا الفنائيّ كي يقال : إنّه إذن تعيّن أن يكون الاستعمال علاميّاً ، بل التعهّد معقول بكلا الشكلين ، وبالجامع بينهما ، وبالتالي لا دليل على ضرورة كون الاستعمال على شكل العلاميّة