المجازيّ توجب أيضاً تقدّم المعنى المجازي الأوّل على الثاني ، فكأ نّه تُخيّل أنّ تقديم المعنى الحقيقي وأصالة الحقيقة كان كتعبّد من قِبَل العقلاء ، فحينما تتعذّر الحقيقة ينتفي ذاك التعبّد ، ويكون كلا المجازين على حدّ واحد ، بينما ليس الأمر كذلك ، بل كان تقديم المعنى الحقيقيّ على المجازيّ على أساس أشدّيّة علاقته مع اللفظ وآكديّة قرنه معه ، فكان هو الذي يتبادر إلى الذهن ، وكان يجعل المعنى المجازيّ تحت الشعاع ؛ لكون اقترانه باللفظ على أساس اقترانه بالمعنى المقترن باللفظ ، فذاك اقتران بلا واسطة ، وهذا اقتران بواسطة ذاك ، فإنّما يتجلّى ظهور اللفظ في المعنى المجازي بعد فرض عدم إرادة المعنى الحقيقيّ ، وكذلك الحال عيناً في المجازين الطوليّين ؛ فإنّ المجاز الأوّل مقترن بالمعنى الحقيقيّ بلا واسطة ، فيقترن باللفظ بواسطة المعنى الحقيقي ، والمجاز الثاني يقترن بالمعنى الحقيقيّ بواسطة المجاز الأوّل ، فيكون اقترانه باللفظ أقلّ وابتعاده أكثر ، فلا محالة يصبح ظهور اللفظ في المجاز الثاني تحت الشعاع بالنسبة لظهوره في المجاز الأوّل بعد تعذّر الحقيقة ، ولا يصار إليه إلّابقرينة خاصّة ، ومع عدمها يكون اللفظ ظاهراً في المعنى المجازيّ الأوّل « 1 » .
هامش
( 1 ) لا يخفى : أنّ اختلاف المجازات في الدرجة ، وكون بعضها يجعل البعض الآخر تحت الشعاع - كما أنّ المعنى الحقيقيّ يجعل المعنى المجازيّ تحت الشعاع - يمكن أن يكون بأحد وجهين : إمّا بالبيان المذكور في المتن ، من أنّ المجاز الأوّل كان ذا علاقة مع المعنى الحقيقيّ ، والمجاز الثاني كان ذا علاقة مع المعنى المجازيّ ، الأوّل ، ويكون بابه باب سبك مجاز من مجاز ، وإمّا ببيان : أن تكون علاقة كلا المجازين بالمعنى الحقيقيّ ، إلّاأنّ علاقة الأوّل به آكد من الثاني إلى حدّ يجعل الثاني تحت الشعاع .
ولكن يبدو لي من ظاهر عبارة الشيخ الآخوند رحمه الله في الكفاية أنّه لم يقصد شيئاً من -
الأمرين ، بأن يكون المجازان طوليّين في حدّ ذاتهما ، بل قصد افتراض : أنّ الشارع هو الذي تعمّد لحاظ العلاقة بأحد المجازين دون الآخر رغم تساويهما ذاتاً في العلاقة بالمعنى الحقيقيّ . أمّا حينما يستعمله في المجاز الثاني ، فإنّما يستعمله فيه بمناسبة المجاز الأوّل وبتبعه ، ولهذا أورد عليه بأنّ القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقيّ لا تكفي لتعيين ما هو ذو العلاقة الملحوظة للشارع ، بل لابدّ من نصب قرينة أخرى تعيّن ذا العلاقة الملحوظة ، وأنّى لهم بإثبات ذلك ؟ !
ولعلّ الوجه في عدوله عن فرض الطوليّة بين المجازين في ذاتهما إلى فرض تعمّد الشارع للحاظ العلاقة بأحدهما دون الآخر هو التفاته إلى ما بيّنه استاذنا الشهيد رحمه الله في المتن ، من نفي الطوليّة بين الصحيح والأعمّ في كيفيّة العلاقة بالمعنى الحقيقيّ