تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
صوف ، وهو مستقبل القبلة ، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، ليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى ، فأخذ على الصورة التي وجد عليها في جوف الليل ، فمثل بين يديه ، والمتوكّل في مجلس شرابه ، وبيده كأس ؛ فلما رآه أعظمه ، وأجلسه إلى جانبه ، فناوله الكأس ، فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قطّ ، فأعفني منه . فأعفاه ، وقال : أنشدني شعرا أستحسنه ؛ فقال : إني لقليل الرواية منه . فقال : لا بدّ . فأنشده : [ من البسيط ]
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم « 1 » القلل واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم * فأودعوا « 2 » حفرا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا « 3 » : * أين الأسرّة والتيجان والحلل ؟ أين الوجوه التي كانت منعّمة « 4 » * من دونها تضرب الأستار والكلل ؟ فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم « 5 » : * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا « 6 » * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
فأشفق من حضر على عليّ ، وخافوا أنّ بادرة تبدر إليه ؛ فبكى المتوكّل بكاء طويلا ، حتى بلّت دموعه لحيته ، وبكى من حضره . ثم أمر برفع الشراب ، وقال : يا أبا الحسن أعليك دين ؟ قال : نعم ، أربعة آلاف دينار . فأمر بدفعها إليه ، وردّه إلى منزله مكرّما . وكان المتوكّل قد اعتلّ ، فقال : إن برأت لأتصدّقنّ بمال كثير . فلما عوفي ، جمع الفقهاء وسألهم عن ذلك ، فأجابوه مختلفين . فبعث إلى عليّ الهادي ، فقال : يتصدّق بثلاثة وثمانين دينارا . قالوا : من أين لك هذا ؟
هامش
( 1 ) البصائر والذخائر 4 / 222 : فلم تمنعهم ؛ وفي بعض أصوله : فما أغنتهم . ( 2 ) البصائر : وأنزلوا . ( 3 ) البصائر : ناداهم صائح من بعد دفنهم . ( 4 ) البصائر : محجبة ؛ وفي بعض أصوله : منعّمة . ( 5 ) البصائر : فأفصح الدهر . . . سالمهم . ( 6 ) البصائر : نعموا ؛ وفي بعض أصوله : شربوا .
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 73 | خليل الصفدي / هلموت ريتر