وكلماته التي تركت محاسن البرايا بائرة وأزاهر الخمائل خاملة . والوصايا التي تملى كثيرة وكم شرّع لها قرطاسه وشرعها بأقلامه ، ونضّد عقودها بإحكام أحكامه ، وملأ بجيوشها صدور مهامه ، فما يلقى إلى بحره منها درّة ، ولا يذكر لطود فضله منها ذرّة ، ولا يطلع القلم في أفق فضل كلّه شموس من ذلك بدره ، ولا يدلّ مثله على صواب فقبيح بالعوان أن تعلّم « 1 » الخمرة . ولكن لا بد للقلم من لفتة جيد ، وفلتة نفث تكون كالخال في الوجنة ذات التوريد ، وهي الذكرى بتقوى اللّه تعالى التي من عدمها فقد باء بخسران متين ، ومن لزمها فقد جاء بسلطان مبين . واللّه يتولّى رفعة مجده وسعة رفده . والخطّ الكريم أعلاه حجّة [ بالعمل ] « 2 » بمقتضاه .
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مائة . وبيني وبينه مكاتبات كثيرة ، تشتمل على نظم ونثر ، ولم يحضرني الآن منها شيء . وذهنه جيّد يتوقّد ذكاء ، وكتابته أصيلة منسوبة ، وعربيّته جيّدة ، وقد أتقن مصطلح الديوان وحرّره ، فهو الآن من كتّاب الزمان .
وكتبت إليه وهو بدمشق وأنا بصفد : [ من الخفيف ]
إنّ عيني مذ غاب شخصك عنها * يأمر السّهد في كراها وينهى
بدموع كأنهنّ الغوادي * لا تسل ما جرى على الخدّ منها
وكتبت إليه وهو بغزّة مع غلام حسن الوجه : [ من الكامل ]
يا نازحا صوّرته في خاطري * فرميت للتصوير بالنّيران
إن لم يبلّغك النسيم تحيّتي * فلقد أتاك بها قضيب البان
وكتبت إليه وقد تأخّرت مكاتباته عني ، وهو بدمشق : [ من البسيط ]
يا بارقا سال في عطف الدّجى ذهبا * أذكرتني زمنا في جلّق ذهبا
هامش
( 1 ) ط : يعلم .
( 2 ) زيادة من أعيان العصر .