وإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتاب متولي البريد يتضمن أمرا أبان عن العظمة القاهرة ، وأعرب عن المعجزة الباهرة ، وأوضح المعذرة لمن يعتقده من شرائط الساهرة ؛ وذلك أنه أنهى أنّ بقرة جرت حالها على غير القياس ، فنتجت حيوانا على هيئة الناس ، وفي هذا مخالفة المنتوج جنس الناتج وذاك « 1 » ممّا يضلّل الفهم ويستوقفه ، ومباينته إيّاه وهو مما تنكره العقول ولا تعرفه ، وهذا من الأنذار المنبّهة الموقظة ، والإبداعات التي تضمّنت بالغ الموعظة ، وفيها تحذير لمن تمادى على الآثام والمعاصي ، وتذكير بيوم يؤخذ المجرمون فيه بالأقدام والنواصي .
فتأمّلوا ، معشر المسلمين ، رحمكم اللّه ، هذه الحادثة وما اشتملت عليه من الوعيد ، وتدبّروا ما خطب به لسان التخويف فيها مسمعا للقريب والبعيد
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى
« 2 »
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
« 3 » . وبادروا ، وفّقكم اللّه « 4 » ، إلى الدعاء والابتهال ، واعملوا بما ندبتم إليه من صالح الأعمال ، وأقلعوا عما كنتم تمسون عليه من الخطايا وتصبحون
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 5 » ، وتوسّلوا عنده بتعميركم مظانّ الخير ومواطنه ، وانتهوا إلى ما أمركم به في قوله :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
« 6 » ، واعتقدوا الإخلاص في ذلك وأضمروه
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
« 7 » ، فهذا إذا عكفتم عليه واجتهدتم فيه ، واعتمدتم منه ما يذهب عنكم رجز الشيطان وينفيه ، حزتم من الثواب جزيلا جسيما ، ونلتم في العاجلة حظا عظيما ، وكنتم في الآجلة ممّن قال اللّه فيهم تبيينا لصادق وعده وتفهيما :
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
هامش
( 1 ) د : وذلك .
( 2 ) د : لآية !
( 3 ) ق : 37 .
( 4 ) د : اللّه تعالى .
( 5 ) النور : 31 .
( 6 ) الأنعام : 120 .
( 7 ) البقرة : 235 .