فتى حديث السنّ قدم على عمرو بن مسعدة متوسّلا إليه بالبلاغة ، فامتحنه بأن رمى إليه كتاب صاحب البريد في بعض النواحي ، يخبر فيه أن بقرة ولدت غلاما .
وقال له : اكتب في هذا المعنى ، فكتب : الحمد للّه خالق الأنام في بطون الأنعام ؛ فلما رأى ذلك عمرو غار على صناعته ومحلّه ، فجذبه « 1 » من يده ، وأحسن إليه ، وردّه إلى بلده .
وما علمت أحدا كمّل الباب « 2 » وتمّمه ؛ فعمدت إلى هذا الابتداء ، فأنشأت عليه ما يقرأ على الناس ، وهو :
الحمد للّه خالق الأنام في بطون الأنعام ، ومصوّرهم بحكمته في ما يشاء من الأرحام ، ومخرج الناطق من الصامت مع اختلاف الأشكال وتباين الأجسام ، إبانة على ماهر آيته في ما ابتدع ، وإظهارا لما استحال في العادات وامتنع ، ليدلّ على أنّ قدرته أبعد غاية مما يتخيّله الفكر ويتوهّمه ، وأن مصنوعاته شواهد وحدانيّته لمن يتبيّن معجزها ويتفهّمه . يحمده أمير المؤمنين على ما اختصّ به أيامه من بدائع مخلوقاته ، ويشكره على غرائب صنعه التي أصبحت من دلائل فضله وعلاماته ؛ إذ كان ، جلّ وعلا ، قد جعل آياته موقوفة على أزمنة أصفيائه ، ومعجزاته مقصورة على عصور أنبيائه وأوليائه . على أنّ لديه من خليله وفتاه ، وصفيّه الذي أوجه السعد نحوه وأتاه ، السيد الأجلّ « 3 » الأفضل الذي اكتسى الدين بنصرته ثوب الشباب والبهجة ، واقترنت المبالغة في صفاته بقول الحقّ وصدق اللهجة ، ملكا غدا الزمان جذلا بدولته ومغتبطا « 4 » ، وسيّدا ارتفع أن يأتي المكارم إلا مخترعا لها مستنبطا ، وسلطانا يفعل الحسنة عذرا « 5 » ويتنزّه أن يفعلها عوانا ، وهماما يتأنّس في العزمات بنفسه فلا يستنجد أنصارا فيها ولا أعوانا . لا جرم أنّ أمير المؤمنين يرفل من
هامش
( 1 ) م : وجذبه .
( 2 ) كتب فوقها في ط م : كذا ؛ أما د فنصّه : كمّل الباب كذا وتمّمه .
( 3 ) الأجلّ : جاءت في د مزيدة في الهامش .
( 4 ) د : ومتبطا .
( 5 ) م : غدرا .