ذهب الأصيل يجري به سواد الليل البهيم ، ولا أن يدا كريمة تدّعي من آيات قلمها وكرمها أن الجلمود بها يفارق الجمود ، وأن اليراعة تستر فرقدها على الظمأ فيشافه منهل النضارة المورود ، وما كانت خطوط الفضلاء إلّا تجربة بين يدي تجريرها الآن ، ولا أقلامها إلّا حطبا أوقدته على الذهب فذاب لها ولان ، ولا تحسب الخط إلّا بحسبها فغيرت له أثواب الحداد وجلت عرائس حروفه مضمخة الأجساد بالجساد ، وأطلعت إنسان عين الإحسان ، بدليل كونه لم يلمح إلّا في سواد ، وسجد له والسجود فرضه لأنه ثوب التيجان ، وقبّله والتقبيل حقّه لأن الجنان تجاوز منه حور الجنان ، كيف لا يفضّل جوهرها بأن يفضل ويقابل حروفها بأن تقبّل . وقد كتب الناس إليه وكتب بالعين وحصل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين / على خفّي حنين وفازت بما أظهرت من ثروتها للنظار من النضار ، وصحّت لها الكيمياء لأنه كتب بشطر دينار سطرا بألف دينار ، وأن له في نهارها بل في أنهارها سبح طويل ، وأنها على خفّة وزنها وقلّة أسطرها لتكلّف من الشكر عبئا ثقيلا ، وكيف لا تخف ميزان الثناء على أنها رجحته بذائب ذهب ، وكيف يضل وفد الشكر وقد هدّبه بذوائب لهب ، وقد نشره وطواه حتى كاد أن يخلقه ، وأسام فيه ناظرا لا يسأمه ، فكان آخر ما يأمله أول ما رمقه أمسى لافتتانه يعبد مذهبه على حروفه أو على ورقه ، وورده إذ ورده فازداد - عطشا على كثرة العلّ والنّهل ، وأعشاه إذا عشاه وكثرة النور يعشي ناظر المقل » .
ومنه ما وصف به الخيام فقال : « إن الخيام فقد بليت وصارت أمشاجا ورقت فخالطت كأس الغمام مزاجا ، ولقيت معنا الشدّة وكانت شدتنا أن رأينا بها انفراجا ، وفيها من السماء رقاع وكأنما أخذها في شقّ الثياب سماع ، وإذا هبّت الرياح فهي بتقدمها وتأخّرها في نزع حثيث ونزع من الشيطان خبيث ، طلقتنا وهي بعد في حبالنا ، وظعنت وهي بعد في عقالنا ، إن أرسلت الريح آية ظلت أعناقها لها خاضعة ، وإن قعدنا فيها فعلى قارعة الطريق وهي قاعدة على
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 354
مساهمون: خليل الصفدي
ص٣٥٤